وقد رأيت في بعض تأليفات السّيِّد الأجل السّيِّد نعمة اللَّه الجزائريّ قضيّة طويلة وهي على ما ببالي الآن تقرب ممّا ذكر في بعض الكتب المعتبرة وذلك إنّه قد روى عبداللَّه الأهوازيّ ، قال : جرت عند والدي قضيّة وهو أنّه ذات يوم يمشي في السّوق وإذا هو يرى رجلًا مشوّه الخلقة ولسانه يابس ، وهو كره المنظر كأ نّه خارج من جهنّم وبيده عصى وهو يدور في الأسواق . قال : فلمّا مرَّ عليَّ اقشعّر منه جلدي ، فسألته : من أيّ البلاد ومن أيّ القبايل أنت ؟ فأعرض عنِّي ، فأقسمت عليه بخالق الموجودات ، فقال :
يا أخي ! وما ترجو من هذا ؟ قلت : أحبّ رجوع الجواب . فقال لي : يا هذا ! إن كان على شرط ؟ فقلت له : ما هذا الشّرط ؟ فقال : أنا جائع فإن أشبعتني حكيت لك . فقلت له :
امض بنا إلى منزلي . فأطاعني ، فلمّا أتى وجلس في الدّار طالبته بالجواب قبل الزّاد ، فقال :
أما حضرت ما صدر على الحسين عليه السلام ؟ قلت : سمعت ولكن ما حضرت . قال : أما سمعت بعمر بن سعد ( لعنه اللَّه ) ؟ قلت : بلى ، أهو أنت ؟ قال : لا أنا صاحب رايته إسحاق ابن جثوة . قلت : ما صنعت حتّى ابتليت بهذا ، وخسرت في الدّنيا والآخرة ؟
وريحه نتن كأ نّه رائحة قير . قال : أحكي لك ، أمرني عمر بن سعد ( لعنه اللَّه ) على رجال ذات نبّال وسيوف وسمران أقبض على المشرعة ممّا يلي عسكر الحسين عليه السلام وأصحابه ، ففعلت ذلك ، وصرنا نسهر اللّيل كلّه والنّهار [ مثله ، ونحن ] نحرس المشرعة حتّى زادت شقوتي . فنهيت أصحابي أن لا يتّخذوا إناء للماء خشيت أن تأخذ أحدهم النّخوة على الحسين عليه السلام فيسقوه . فبينما نحن على هذا وأمثاله وإذا قد أتى العبّاس بن عليّ عليه السلام إلى أخيه الحسين عليه السلام وهو يبكي ، فقال له : يا أخي ! ما بالك تبكي لا أبكى اللَّه عينيك .
فقال : العطش أضرّنا وأشدّ منّا الأطفال وقد حفرت لهم حفرتين ولم أر لهم فيها شيئاً من الماء ، أما تسألهم ولو شربة للأطفال عسى يرقّون ؟ فقال : يا أخي ! سألتهم مراراً فلم يجيبوا إلّابالنّبال والسّيوف ، فبكى بكاءً شديداً ، فقال العبّاس : أنا أسير إليهم الصّباح وآتي ولو قربة من الماء للحريم ، فقال له : شكر اللَّه سعيك يا أخي . هذا وأنا أسمع كلامهما كلّه .
فأرسلت إلى عمر بن سعد ( لعنه اللَّه ) ، فأخبرته بالخبر ، فأرسل إليَّ خمسة آلاف ،
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 584
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٥٨٤