الشّمس يقبل أسد من القبلة فأولِّي عنه إلى منزلي ، فإذا أصبح الصّباح أراه مستقبل القبلة ذاهباً ، فقلت في نفسي : حكيت عساكر ابن زياد : إنّ هؤلاء خوارج قد خرجوا على عبيداللَّه بن زياد ، فأمر بقتلهم وأرى منهم ما لم أر من ساير القتلى ، فواللَّه هذه اللّيلة لا بدّ من المساهرة في هذه الأرض لأبصر هذا الأسد يأكل من هذه الجثث أم لا ؟
فلمّا صار غروب الشّمس وإذا به أقبل ، فخفته ، فإذا هو هايل المنظر ، فأرتعت منه وهممت أن أنهزم عنه ، فثبطت نفسي وراجعتها ، وهو يتخطّى القتلى حتّى وقف على جسد كأ نّه الشّمس إذا طلعت تحت الغمام ، فبرك عليه ، فقلت : يأكل منه وإذا به يمرّغ وجهه على ذلك الجسد وهو يهمهم ، ويدمدم ، ودموعه تجري على خدّيه ، فقلت : اللَّه أكبر ما هذه « 1 » إلّاأعجوبة « 1 » ، فجعلتُ أحرسه حتّى اعترك الظّلام ، وإذا الشّموع معلّقة ، فملأت هذه الأرض فزادني عجباً ، إذا أنا أسمع بكاء ونحيباً ساعة ، وإذا بلطم مفجع ، لكن لم أر أشخاصاً ، فقصدت تلك الأصوات ، فخيل لي أنِّي وقعت عليها ، فأصغيت سمعي زماناً ، فإذا هو تحت الأرض ، وفهمت من ناع فيهم يقول : وا حسيناه ! وا إماماه ! فاقشعرّ جلدي وطار لبّي ، فقربت من الباكي وأقسمت عليه ، باللَّه وبرسوله مَن تكون ؟ فقال : إنّا نساء من الجنّ . فقلت : وما شأنكنّ ؟ فقالت : في كلّ يوم وليلة هذا عزاؤنا على الحسين العطشان المجدّل على الرّملاء . فقلت : هذا الحسين الّذي يجلس عنده الأسد ؟ فقالت :
نعم . قالت : أنت تعرف هذا الأسد ؟ قلت : لا . قالت : هذا أبوه عليّ بن أبي طالب .
فهممت أن أرجع ، ودموعي تجري على خدّي حزناً عليه ، وإذا برجال ، لم أر أطول منهم ذو أسلحة كثيرة ، فكاد فؤادي أن يطير ، وإذا بهم قائل يقول : فارجع . فرجعت خائفاً .
وقيل : هذا الرّجل هو الّذي دفن الحسين عليه السلام .
الجزائري ، الأنوار النّعمانيّة ، 3 / 249 - 250
[ وجاء في الهامش ، ما يلي ] : هذا الكلام إفك عظيم وكلمة خاطئة ، يدلّ على أنّ هذه القصّة المنقولة ، لا تخلوا من دسّ واختلاق ، فإنّ ظهور أمير المؤمنين عليه السلام في صورة الأسد لا يمكن التّفوة به من رواد العلم ، وطلّاب الفضيلة ، فإنّه محال كما نقل جمع من البسطاء ،
هامش
( 1 - 1 ) [ في المطبوع : « الأعجوبة » ] .