وضرب فسطاطه ، وأنزل نساءه ، وقال لي : يا بشر ! ادخل المدينة وانع أهلها بأبي عبداللَّه ، وأخبرهم بقدومنا .
قال بشر : فركبت ودخلت المدينة ، ورفعت صوتي بالبكاء والنّحيب ، فقلت : يا أهل المدينة ! هذا عليّ بن الحسين قد قدم إليكم مع عمّاته وأخواته ، وقد نزل قريباً منكم ، وأنا رسوله إليكم أعرّفكم بمكانه .
قال : فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلّاوبرزن من خدورهنّ مخمّشة وجوههنّ ، لاطمات يدعون بالويل والثّبور وعظائم الأمور ، قال : فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم .
قال : ثمّ إنّ أهل المدينة تبادروا مسرعين إلى نحو زين العابدين وأنا معهم ، فوجدت النّاس قد ملأوا الطّرق والأمكنة ، فنزلت عن فرسي ، وبقيت أتخطّى رقاب النّاس حتّى قربت من باب الخيمة ، وكان زين العابدين عليه السلام داخلًا ، فخرج ، وبيده منديل يمسح به دموعه وكان عمره يومئذ على ما نقل أحد عشر سنة ، فجلس على كرسيّ له ، وهو لا يتمالك على نفسه من شدّة البكاء ، والنّاس يعزّونه وهم مع ذلك يبكون وينحبون .
الطّريحي ، المنتخب ، 2 / 498
فلمّا أشرفوا عليها وكان ذلك يوم الجمعة ، قال عليّ بن الحسين عليه السلام : تقدّم وانع أبا عبداللَّه بشيء من الشِّعر .
قال بشر : فركبت فرسي وركضت حتّى بلغت المدينة ، فلمّا بلغت مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم رفعت صوتي ، وناديت :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فادمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرّج * والرّأس منه على القناة يدار
ثمّ ناديت : يا أهل المدينة ! هذا عليّ بن الحسين عليه السلام وأخواته « 1 » وعمّاته ، قد نزلوا بساحتكم ، وأنا رسوله إليكم .
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « إخوته » ] .