ثمّ إنّ عمراً غزا بني الحارث ، فأصاب فيهم وانتصف منهم ، وقال :
لمّا رأوني في الكتيفة « 1 » مقبلًا * وسط الكتيبة مثل ضوء الكوكب
واستيقنوا منّا بوقع صادق * هربوا وليس أوان ساعة مهرب
عجّت نساء بني زياد عجّة * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
هكذا رواه الطّوسيّ وغيره . وقد رأيت أبا جعفر محمّد بن حبيب « 2 » البصريّ أدرج هذا البيت في خبر ذكره ، فقال : لمّا جاء نعيُّ الحسين - رضي الله عنه - ومَن كان معه قال مروان :
« يوم بيوم الحَفَض « 3 » المجوّر » أي يوم بيوم عثمان - رضي الله عنه - ثمّ تمثّل بقول الأسديّ :
عجّت نساء بني زبيد عجّة * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
قال : وهذا يوم كان بين بني أسد وبين بني الحارث بن كعب ونهد وجرم ، فانتفجت « 4 » لبني الحارث يومئذ أرنب ، فتفاءلوا وقالوا : ظفرنا بهم : فظفروا ؛ ثمّ انتصف منهم بنو أسد فقال الأسديّ هذا الشّعر . وهذا هو التّفسير الصّحيح في قوله : « غداة الأرنب » لا ما ذكره أبو عليّ - رحمه الله - لأنّه لا يعرف موضع يقال له أرنب ولا يحفظ ألبتّة ؛ وإنّما هو يوم الأرنب ، سُمِّي بهذه الأرنب الّتي انتفجت لهم ، ولا يصحّ إنشاده :
عجّت نساء بني زبيد . . .
إذا نُسِب إلى عمرو أصلًا ؛ إلّاأن يكون البيت للأسديّ كما قال ابن حبيب « 5 » ، وعمرو أولى به ، والأثبت أنّه له ، فلينشد :
عجّت نساء بني زياد . . .
كما ذكرناه بدءاً .
أبو عبيد ، التّنبيه على الأوهام ، / 49 - 50
هامش
( 1 ) - رسمَ الكاتب « صح » فوق الكلمة « الكتيفة » توكيداً لها .
( 2 ) - رسم الكاتب « حبيب » وفوقها « معا » .
( 3 ) - الحفض : متاع البيت . والمجوّر : المطوّح . ومن أمثال العرب السّائرة : « يوم بيوم الحفض المجوّر » يضرب مثلًا للمجازاة بالسُّوء . . . والأصل في هذا المثل : زعموا أنّ رجلًا كان بنو أخيه يؤذونه ، فدخلوا بيته فقلبوا متاعه ، فلمّا أدرك ولده صنعوا مثل ذلك بأخيه ؛ فشكاهم فقال : يوم . . . الخ ، ( ل 8 : 407 ) .
( 4 ) - انتفجت الأرنب : وثبت وثارت .
( 5 ) - كتب : « حبيب » وفوقها « معاً » .