البوقات تضرب ، والأعلام قد نشرت ، وإذا بالعسكر قد أقبل ودخل الكوفة ، فسمعت صيحة عظيمة وإذا هو رأس الحسين عليه السّلام على رمح طويل ، ونوره يسطع ، وأقبلوا من بعده بالسّبايا ، فوقفوا بباب خزيمة ساعة والرّأس على القناة وهو يقرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً .
قال سهل : فبكيت وقلت : يا ابن رسول اللّه رأسك أعجب من ذلك ! ثمّ غشي عليّ فلم أفق حتّى قرأ باقي السّورة .
ابن أمير الحاجّ ، شرح الشّافية ، / 379
وفي بعض الكتب عن سهل بن سعيد الشّهرزوريّ ، عن جديلة الأسديّ ، قال لي :
يا أخي ! كنت بالكوفة سنة إحدى وستّين حين منصرف النّاس من كربلاء ، فرأيت نساء مهتكات الجيوب ، لاطمات الخدود ، فقلت لشيخ من أهل الكوفة : ماذا صار ؟ قال : أو لا ترى رأس الحسين عليه السّلام ؟ فبينما يقصّ عليّ ذلك وإذا بامرأة كأنّها التّبر المذاب على سنام بعير أدبر من غير وطاء ، ولا حجاب ، فسألت عنها ، فقيل لي : هذه أمّ كلثوم ، وإذا خلفها ولد قد أضرّ به الوجع على سنام بعير أعجف ، ورأسه مكشوف ، والدّم يسيل من ساقيه ، فسألته : من هذا الولد ؟ فقال : عليّ بن الحسين عليه السّلام .
فخنقتني العبرة ، وإذا بنساء أهل الكوفة تناول الأطفال الّذين في حجور النّساء منخمس تمرات ، وقطعة رغيف .
فصاحت بهنّ أمّ كلثوم : حرج على من يتصدّق علينا أهل البيت ، فإنّ الصّدقة علينا حرام . وجعلت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم ، وترمي به إلى الأرض ، فضجّ النّاس بالبكاء والنّحيب ، فشقّوا الجيوب ، ونادوا : وا ابن بنت نبيّاه ! وا حسناه ! وا حسيناه ! وإذا بامرأة مكشوفة الرّأس ، منشورة الشّعر على المتنين ، تستر وجهها بكفّيها ، إذ لم يكن عندها خرقة تستر وجهها . فقلت : من هذه ؟ فقال : سكينة ، وإذا على سنام جمل أدبر ، ثلاث بنات كأنّهنّ الأقمار ، مسلبات الأطمار ، شعورهنّ منشورة على الأكتاف ، ولا لهنّ ستر ولا لحاف ، فقلت : من هؤلاء البنات ؟ فقالوا : رقيّة وصفيّة وفاطمة الصّغرى .
فعميت عيناي من البكاء .