فتقدّمت إلى شيخ منهم ، وقلت له : يا شيخ ! ما نزل بكم أراكم مجتمعين كتائب ، ألكم عيد لست أعرفه للمسلمين ؟ فأخذ بيدي وعدل بي ناحية عن النّاس ، وقال : يا سيّدي ! ما لنا عيد .
ثمّ بكى بحرقة ونحيب ، فقلت : أخبرني يرحمك اللّه . قال : بسبب عسكرين أحدهما منصور ، والآخر مهزوم مقهور . فقلت : لمن هذان العسكران ؟ فقال : عسكر ابن زياد وهو ظافر منصور ، وعسكر الحسين بن عليّ وهو مهزوم مكسور . ثمّ قال : وا حرقتاه أن يدخل علينا رأس الحسين ، فما استتمّ كلامه إذ سمعت البوقات تضرب ، والرّايات تخفق قد أقبلت ، فمددت طرفي وإذا بالعسكر قد أقبل ودخل الكوفة ، فلمّا انقضى دخوله سمعت صيحة عالية ، وإذا برأس الحسين عليه السّلام قد أقبل على رمح طويل ، وقد لاحت شواربه والنّور يخرج ساطعا من فيه حتّى يلحق بعنان السّماء ، فخنقتني العبرة لمّا رأيته .
وأقبلت من بعده أمّ كلثوم ، عليها وعلى آبائها السّلام ، وعليها برقع خزّ أدكن « 1 » وهي تنادي : يا أهل الكوفة ! نحن واللّه سبايا الحسين ، غضّوا أبصاركم عن النّظر إلينا ، معاشر النّاس ، أما تستحون من اللّه ورسوله تنظرون إلى حريم نبيّكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحريم عليّ المرتضى ، وفاطمة الزّهراء عليهما السّلام ؟
قال : فغضّوا النّاس أبصارهم من النّظر إليهم ، قال سهل بن حبيب رضى اللّه عنه : فوقفوا بباب بني خزيمة ساعة من النّهار ، والرّأس على قناة طويلة ، فتلا سورة الكهف ، إلى أن بلغ في قرائته إلى قوله تعالى : أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجبا . قال سهل : واللّه إنّ قراءته أعجب الأشياء . ثمّ بكيت ، وقلت : إنّ هذا أمر فظيع « 2 » .
ثمّ غشي عليّ ، فلم أفق من غشوتي إلى أن ختم السّورة .
السّيّد هاشم البحراني ، مدينة المعاجز ، / 271 رقم 165
في مقتل أبي مخنف : في حديث عن سهل الشّهرزوريّ ، قال : دخلت الكوفة ، فسمعت
هامش
( 1 ) - الدّكنة : بالضّمّ لون إلى السّواد ، دكن الثّوب : دكنا من باب تعب مال إلى الغبرة أو من الحمرة .
( 2 ) - فظيع : أي شديد ، شنيع جاوز المقدار .