لا كنت لي ببعل ، ولا أنا لك بأهل . ثمّ أخذت عمودا من حديد ، وأوجعت به دماغه ، فانصرف من عندها ، وأتى به إلى الثّعلبيّة ، فقالت : ما هذا الرّأس الّذي معك ؟ قال :
رأس خارجيّ ، خرج على عبيد اللّه بن زياد ، فقالت : وما اسمه ؟ فأبى أن يخبرها ما اسمه ، ثمّ تركه على التّراب وجعله عليه إجّانة ، قال : فخرجت امرأته في اللّيل ، فرأت نورا ساطعا من الرّأس إلى عنان السّماء ، فجاءت إلى الإجّانة ، فسمعت أنينا « 1 » ، وهو يقرأ إلى طلوع الفجر ، وكان آخر ما قرأ : وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، وسمعت حول الرّأس دويّا كدويّ الرّعد ، فعلمت أنّه تسبيح الملائكة .
فجاءت إلى بعلها ، وقالت : رأيت كذا وكذا ، فأيّ شيء تحت الإجّانة ؟ فقال : رأس خارجيّ ، فقتله الأمير عبيد اللّه بن زياد . وأريد أن أذهب به إلى يزيد بن معاوية ، ليعطيني عليه مالا كثيرا . قالت : ومن هو ؟ قال : الحسين بن عليّ . فصاحت وخرّت مغشيّة عليها ، فلمّا أفاقت قالت : يا ويلك ! يا شرّ المجوس ! لقد أذيّت محمّدا في عترته ، أما خفت من إله الأرض والسّماء حيث تطلب الجائزة على رأس ابن سيّدة نّساء العالمين .
ثمّ خرجت من عنده باكية ، فلمّا قام رفعت الرّأس وقبّلته ، ووضعته في حجرها ، وجعلت تقبّله ، وتقول : لعن اللّه قاتلك وخصمه جدّك المصطفى .
فلمّا جنّ « 2 » اللّيل غلب عليها النّوم ، فرأت كأنّ البيت قد انشقّ بنصفين وغشيه نور ، فجائت سحابة بيضاء ، فخرج منها امرأتان ، فأخذتا الرّأس من حجرها وبكتا ، قالت :
فقلت لهما : باللّه من أنتما ؟ قالت إحداهما : أنا خديجة بنت خويلد ، وهذه ابنتي فاطمة الزّهراء ، ولقد شكرناك وشكر اللّه لك عملك وأنت رفيقتنا في درجة القدس في الجنّة .
قال : فانتبهت من النّوم والرّأس في حجرها ، فلمّا أصبح الصّبح ، جاء بعلها لأخذ الرّأس ، فلم تدفعه إليه ، وقالت : ويلك طلّقني ، فو اللّه لا جمعني وإيّاك بيت « 3 » . فقال : ادفعي
هامش
( 1 ) - أنّ يأنّ أنينا : صوت .
( 2 ) - قوله تعالى : فلمّا جنّ عليه اللّيل أي غطّى عليه ، وأظلم واجنّة اللّيل أي ستره .
( 3 ) - [ في المطبوع : « بيتا » ] .