فاعلم إنّي رأيت كيفيّة شهادة جمع من الأصحاب في النّسخة الّتي كانت تنسب إلى شهاب الدّين العامليّ هكذا ، وهو أنّه : لمّا رأى الحرّ بن يزيد الرّياحيّ القوم وقد صمّموا على حرب الحسين عليه السّلام . فقال الحرّ لابن سعد لعنه اللّه تعالى : أمقاتل أنت هذا الرّجل ؟
فقال : إي واللّه قتالا أيسره أن تطيح فيه الأيدي ، وتسقط الرّؤوس . قال : فما لكم فيما عرضه عليكم رضا ؟ فقال ابن سعد لعنه اللّه تعالى : لو كان الأمر لي لفعلت ، ولكن ابن زياد لعنه اللّه تعالى أبى عن ذلك .
قال : فأقبل الحرّ إلى أن وقف قريبا من النّاس موقفا ، وكان معه رجل من قومه يقال له : قرّة بن قيس ، فقال له : أسقيت فرسك اليوم ماء ؟ فقال : لا . قال : أما تريد أن تسقيها ؟ قال : نعم . قال : فظننت أنّه يريد أن يتنحّى ، ولا يشهد الحرب . قال : أنا ماض أسقيه . واعتزل ، قال قرّة : فلو أنّه أطلعني على الّذي أراده لخرجت معه إلى الحسين عليه السّلام .
قال : وصار يتنحّى قليلا ، فقال مهاجر بن أوس : إنّ أمرك يا حرّ لمريب ، واللّه إنّي لا أعلم أنّ في فرسان الكوفة أشجع منك ، فما هذا الّذي أرى منك ؟ فقال : إنّي مخيّر نفسي بين الجنّة والنّار ، فو اللّه ما أختار النّار على الجنّة . ثمّ ضرب فرسه وأتى إلى الحسين عليه السّلام ، فقال : جعلت فداك يا مولاي ! أنا صاحبك الّذي منعتك عن الرّجوع ، وسايرتك في الطّريق ، وما ظننت أنّ القوم يصنعون معك ما بلغوا ، ويعرضون عمّا عرضته ، وقد جئتك تائبا ، فهل يا مولاي لي من توبة ؟ فقال الحسين عليه السّلام : نعم ، فانزل يا حرّ إليهم . فقال : يا مولاي ! إنّي أريد أن أقاتلهم ، وفي عاقبة أمري أصير على النّزول . فقال له الحسين عليه السّلام :
افعل ما بدا لك .
الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 277
فجعل الحسين رضى اللّه عنه ينظر يمينا وشمالا ، فلم ير أحدا يبارز أعداءه ، فبكى بكاء شديدا وهو ينادي : « وا محمّداه ! وا عليّاه ! وا حمزتاه ! وا جعفراه ! وا عبّاساه ! يا قوم ! أما من معين يعيننا ، أما من خائف من عذاب اللّه فيذبّ عنّا » ، ثمّ جعل يقول :
أنا ابن عليّ الطّهر من آل هاشم * كفاني بهذا مفخر حين أفخر
وفاطم أمّي ثمّ جدّي محمّد * وعمّي هو الطّيّار في الخلد جعفر