أبكاني . ثمّ قلت : عمّتاه ! قومي لنمضي إلى خيم عمومتي ، وبني عمومتي ، لعلّهم ادّخروا شيئا من الماء . قالت : ما أظنّ ذلك . فمضينا ، واخترقنا الخيم بأجمعها ، فلم نجد عندهم شيئا من الماء ، فرجعت عمّتي إلى خيمتها ، فتبعتها من نحو عشرين صبيّا وصبيّة ، وهم يطلبون منها الماء ، وينادون : العطش ! العطش ، فكثر الضّجيج منهم ، فمرّ عليهم برير بن حضير الهمدانيّ ، ومعه ثلاثة نفر من أصحابه ، فسمع الضّجّة ، فقال : ما هذا البكاء ؟ فقيل له : يا برير ! هؤلاء أطفال الحسين يبكون من شدّة العطش والظّمأ . فالتفت برير إلى أصحابه ، وقال لهم : أصحابي ! يمتن بنات رسول اللّه عطشا ، وفي أيدينا قوائم أسيافنا ، إذا ثكلتنا أمّهاتنا ، فو اللّه لا يكون ذلك أبدا . فقال له رجل من أصحابه : الرّأي أن يأخذ كلّ واحد منّا فتاة من هذه الفتيات ، ونهجم بهنّ على الماء ، ونسقيهم الماء . فقال برير : إنّك تعلم أنّ الحرسة مصرّون على قتالنا ، فإذا هجمنا بهم على الماء ، فربّما أصاب أحدا منهم سهم ، أو رمح ، فنكون نحن السّبب لذلك ، ولكن الرّأي أن نأخذ القربة ، ونملأها ، فإذا قاتلونا ، قاتلناهم ، فإذا قتلنا صرنا فداء للحسين عليه السّلام ولبنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله . فقالوا له : هذا هو الرّأي . ثمّ أخذوا القربة ، ومضوا إلى الفرات ، فهجموا على الماء ، فنادى واحد من القوم : من أنتم ؟ فقال برير : أنا برير ، وهؤلاء أصحابي ، أتينا لنشرب الماء ، فقال لهم :
اشربوا الماء هينئا ، مريئا ، ولكن بشرط أن لا يحمل أحد منكم قطرة من الماء للحسين .
فقال لهم برير : ويلكم نشرب الماء هنيئا ، والحسين وبنات رسول اللّه يموتون عطشا ؟ ! لا كان ذلك أبدا . ثمّ التفت إلى أصحابه ، وقال : يا أصحابي ! لا يشرب أحد منكم الماء ، اذكروا ما وراءكم . فقال له رجل من أصحابه : واللّه ما نذوق الماء حتّى تبلّ أكباد صبية صغار من بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله . ثمّ إنّ بريرا ملأ القربة وخرج من المشرعة هو وأصحابه ، فاحتوشه القوم من كلّ جانب ومكان ، فحمل عليهم برير وأصحابه ، وجعلوا يدافعونهم ، وكثر الازدحام عليهم ، فقال برير لأصحابه : إنّ الرّأي أن يأخذ أحدنا القربة ، ويذهب بها ، ونحن نقاتل ، فحملها رجل من القوم ، وسار بها يريد الخيام ، إذ أتاه سهم ، فوقع في حبل القربة ، وخاطها في عنقه ، فسال الدّمّ على صدره ، فمدّ يده وأخرج السّهم من عنقه ، والدّمّ يجري وهو يقول : الحمد للّه الّذي جعل رقبتي فداء للقربة ، وفداء
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 133
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١٣٣