قال فيه اللّه :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ .
ودنت صلاة العصر ، فأمر الحسين مؤذّنه أيضا بالأذان ، فأذّن ، وأقام ، وتقدّم الحسين ، فصلّى بالعسكرين ، فلمّا انصرف من صلاته وثبّ قائما على قدميه ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، أيّها النّاس ! فإنّكم إن تتّقوا اللّه تعالى وتعرفوا الحقّ لأهله يكن رضاء اللّه عنكم ، وإنّا أهل بيت نبيّكم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أولى بولاية هذه الأمور عليكم ، من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسّائرين فيكم بالظّلم والجور والعدوان ، وإن كرهتمونا ، وجهلتم حقّنا ، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم ، انصرفت عنكم .
فأجابه الحرّ بمثل ما أجاب به أوّلا ، ثمّ قال : يا ابن رسول اللّه ! أمرنا إن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدم بك على الأمير عبيد اللّه . فتبسّم الحسين وقال : يا ابن يزيد ! الموت أدنى من ذلك . ثمّ التفت إلى أصحابه ، فقال : احملوا النّساء ليركبن حتّى ننظر ما الّذي يقدر أن يصنع هذا وأصحابه . قال : فركبن النّساء ، وركب أصحاب الحسين لينصرفوا ، وساقوا النّساء بين أيديهم . فتقدّمت خيل أهل الكوفة ، فحالت بينهم وبين المسير ، فضرب الحسين بيده إلى سيفه ، وصاح بالحرّ : ثكلتك أمّك يا ابن يزيد ، ما الّذي تريد أن تصنع ؟ فقال الحرّ : أما واللّه يا أبا عبد اللّه ! لو قالها غيرك من العرب لرددتها عليه كائنا من كان ، ولكن واللّه ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل ، غير أنّه لا بدّ لي من أن أنطلق بك إلى الأمير . فقال الحسين : إذا واللّه لا أتبعك ، أو تذهب نفسي . فقال له الحرّ : إذا واللّه لا أفارقك أو تذهب نفسي ، وأنفس أصحابي . فقال الحسين : فذر إذا أصحابك وأصحابي ، وابرز إليّ ، فإن قتلتني حملت رأسي إلى ابن زياد ، وإن قتلتك أرحت الخلق منك . فقال الحرّ : إنّي لم أؤمر بقتالك ، وإنّما أمرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على الأمير ، وأنا واللّه كاره أن يبتليني اللّه بشيء من أمرك غير أنّي أخذت بيعة القوم وخرجت إليك ؛ وأنا أعلم أنّه ما يوافي القيامة أحد من هذه الأمّة إلّا وهو يرجو شفاعة جدّك ، وإنّي واللّه لخائف إن أنا قاتلتك أن أخسر الدّنيا والآخرة ، ولكن أمّا أنا يا أبا عبد اللّه ! فلست أقدر على الرّجوع إلى الكوفة في وقتي هذا ، ولكن خذ غير الطّريق ، وامض حيث شئت حتّى أكتب إلى الأمير أنّ الحسين خالفني الطّريق ، فلم أقدر عليه ، وأنا أنشدك اللّه في نفسك . فقال