فلم يزل الحرّ موافقا للحسين حتّى دنت صلاة الظّهر ، فقال الحسين للحجّاج بن مسروق : أذّن يرحمك اللّه ، وأقم الصّلاة حتّى نصلّي . فأذّن الحجّاج للظّهر ، فلمّا فرغ ، صاح الحسين بالحرّ : يا ابن يزيد ! أتريد أن تصلّي بأصحابك ، وأنا أصلّي بأصحابي ؟ فقال الحرّ : لا ، بل أنت تصلّي ، ونحن نصلّي بصلاتك يا أبا عبد اللّه . فقال للحجّاج : أقم . فأقام ، وتقدّم الحسين للصّلاة ، فصلّى بالعسكرين جميعا ، فلمّا فرغ ، وثب قائما ، متّكئا على قائم سيفه ، وكان في أزار ، ورداء ، ونعلين ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها النّاس ! معذرة إليكم أقدمها إلى اللّه وإلى من حضر من المسلمين ، أنّي لم آتكم - وفي رواية : لم أقدم إلى بلدكم - حتّى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم أن اقدم إلينا ، فإنّه ليس علينا إمام ، فلعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه وأثق به من عهودكم ومواثيقكم ، أدخل معكم إلى مصركم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين ، ولقدومي عليكم باغضين ، انصرفت عنكم إلى المكان الّذي منه جئت إليكم . فقال الحرّ : واللّه إنّا ما ندري بهذه الكتب الّتي تقول . فقال الحسين : يا عقبة ابن سمعان ! أخرج إليّ الخرجين . فأخرجهما ، وأتى بهما مملوءين من كتب أهل الكوفة ، فنثر الكتب بين يديه ، فقال الحرّ : إنّا لسنا من هؤلاء .
فبيناهم على تلك الحال وإذا كتاب ورد من الكوفة من عبيد اللّه بن زياد إلى الحرّ بن يزيد الرّياحيّ : أمّا بعد ، يا حرّ ! فإذا أتاك كتابي هذا فجعجع بالحسين بن عليّ ، ولا تفارقه حتّى تأتيني به ، فإنّي قد أمرت رسولي أن يلزمك ، ولا يفارقك حتّى تأتي بإنفاذ أمري إليك ، والسّلام .
فلمّا قرأ الحرّ الكتاب ، بعث إلى ثقات أصحابه ، فدعاهم ، ثمّ قال : ويحكم ، إنّه قد ورد عليّ كتاب عبيد اللّه بن زياد يأمرني أن أقدم على الحسين بما يسوؤه ، ولا واللّه ما تطاوعني نفسي ، ولا تجيبني إلى ذلك أبدا . فالتفت رجل من أصحاب الحرّ يكنّى أبا الشّعثاء الكنديّ إلى رسول ابن زياد ، وقال له : فيم جئت ثكلتك أمّك ؟ فقال له الرّسول : أطعت إمامي ، ووفيت ببيعتي ، وجئت برسالة أميري . فقال له أبو الشّعثاء : لعمري ، لقد عصيت ربّك وإمامك ، وأهلكت نفسك ، واكتسبت واللّه عارا ، ونارا ، فبئس الإمام إمامك الّذي
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 421
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٢١