هذه النعمة ، لأنها مكملة لسائر النعم ، أو لبيان عظمة هذه النعمة وما فيها من لذة عظيمة لا تقاس بسائر اللذات حتى لذات الآخرة ونعيمها ، أو لأن من آداب الشرب عند أهله في الدنيا تنازع الكؤوس بينهم وتنافسهم فيها . وأنى كان فإن التنافس في الرحيق المختوم في ذلك اليوم يتم اليوم في الدنيا بالتسارع في الخيرات ، والتنافس فيها ، وقد جاء في الأثر أن ترك الخمر في الدنيا ثمن الرحيق المختوم في الآخرة ، كما أن ثواب سقاية المؤمن وإطعامه هو الرحيق المختوم .
جاء في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام أنه قال :
[ يَا عَلِيُّ مَنْ تَرَكَ الْخَمْرَ لِغَيْرِ الله سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ . فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام : لِغَيْرِ الله ؟ قَالَ : نَعَمْ . والله صِيَانَةً لِنَفْسِهِ يَشْكُرُهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ ]
« 1 » . وروي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال :
[ مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِناً مِنْ جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ومَنْ سَقَى مُؤْمِناً مِنْ ظَمَإٍ سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ ]
« 2 » . وروي :
[ مَنْ صَامَ لله في يَوْمٍ صَائفٍ سَقَاهُ اللهُ عَلَى الظَمَإِ مِنْ الرَّحِيْقِ المَخْتُومِ ]
« 3 » .
[ 27 ] قيل : إن في الجنة عينا تجري في الهواء ثم تصب في كؤوس الأبرار ، وقالوا : إنها تجري من تحت العرش وتسمى بالتسنيم ، لأنها في أعلى الجنة ، وهي شراب المقربين خالصا ، ويضاف شيء منه إلى شراب الأبرار فيعطيه نكهة خاصة ليس فقط لأنه عظيم اللذة ، بل ربما أيضا لأن فيه أثرا من روح المقربين وريحهم ، وعبق درجاتهم المتسامية ، وقالوا : إنه أشرف شراب في الجنة ، قال الله سبحانه : وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ قال الرازي : [ تسنيم عَلَم لعين بعينها في الجنة ، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه ، إما لأنها أرفع شراب في الجنة ، أو لأنها تأتيهم من فوق على ما روي : أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم ، وإما لأنها لأجل كثرة مائها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه ، وإما لأنها عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض فهو التسنيم أيضا ، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع ومنه سنام البعير ، وتسنمت الحائط إذا علوته ] « 4 » . وقال بعضهم : [ إن كل عين تجري من الأعالي تسمى بالتسنيم ] ، وبالرغم من أن هذا أقرب المعاني إلى سياق الآية إلا إني لم أجد مصدراً لغويًّا يُصَرِّح بذلك وإن كان مساق التحليل اللغوي يؤيد ذلك .
[ 28 ] وللجنة درجات تتعالى حتى تتصل بعرش الله ، فعنده جنات عدن حيث منازل المقربين من عباده الأنبياء والصديقين ، وقد بينت سورة الواقعة جانبا من الفرق بين درجات المقربين السابقين ودرجات أصحاب اليمين ، وفي هذه السورة إشارة إلى جانب منه ، حيث إن
هامش
( 1 ) الكافي : ج 6 ، ص 430 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 201 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 114 .
( 4 ) التفسير الكبير : ج 31 ، ص 100 .