تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ونساؤهم في المخابئ والمهاجر خشية مداهمة جنود إبليس المعسعسين ترى المجرمين ينقلبون إلى بيوتهم في أمن ظاهر ، يتبادلون نخب الانتصارات الزائفة ، ويرتادون مجالس اللهو والعربدة . وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ قالوا : أي معجبين بما هم عليه من الكفر ، متفكهين بذكر المؤمنين ، ولعل المراد من الأهل هنا أصحابهم وأهل مؤانستهم . [ 32 ] ويحاول أعداء الرسالة إلصاق تهمة الضلالة إلى المؤمنين لعلهم يعزلونهم عن المجتمع وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ، ويبدو أن هدف هذه التهمة إثارة حساسية الناس ضدهم ، لأنهم يخالفون الخرافات الشائعة التي ينصب المجرمون أنفسهم مدافعين عنها ، في حين يسعى المؤمنون نحو إنقاذ المجتمع من ويلاتها . [ 33 ] وهؤلاء المجرمون الذين هم عادة أصحاب الثروة والقوة والجاه العريض يزعمون أنهم الموكلون بأمر الناس فتراهم يوزعون التهم يمينا ويسارا ، في حين أنهم بشر كسائر الناس لم يجعل لهم ميزة وسلطانا على أحد وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ بل كل امرئ مسؤول عن نفسه ، وبهذه الكلمة الحاسمة سلب القرآن الشرعية المزيفة التي تدعيها السلطات والمترفون لتسلطهم على الناس . كلا . . السلطة إنما هي لله ولمن يخوله الله ، أما أولئك المجرمون فإنهم غاصبون ، وأن على المؤمنين ألَّا يأبهوا بأحكامهم الجائرة عليهم ، لأنه لا شرعية لها أبدا . [ 34 ] بسبب تلك المعاناة الشديدة والآلام المبرحة التي ذاقها المؤمنون المجاهدون في سبيل الله من أيدي المجرمين تنقلب الصورة تماما في يوم الجزاء فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ، قال بعضهم : [ إنه يفتح للكفار في أطراف النار باب إلى الجنة ، فإذا سعوا إليها ووصلوه بعد عناء عظيم أغلق دونهم فيثير ذلك ضحك المؤمنين عليهم ] « 1 » . [ 35 ] والمؤمنون جالسون على الأرائك فرحين بما آتاهم الله ، وينظرون إلى ما يجري هناك في نار جهنم عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ . [ 36 ] ماذا ينظرون ؟ إنهم ينظرون إلى مجريات جزاء الكفار اليومية ، وعقابهم المتتابع الذي يتصل بجرائمهم المتتالية في الدنيا . هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ أي ينظرون لكي يروا هل أنهم ثوبوا وجوزوا ؟ وبالطبع : إنهم يجدون هذا الجزاء لحظة بلحظة ، ولا ينتهي جزاؤهم لأنه مستمر ، ذلك أن كل فعلة خاطئة قاموا بها تجازى بمئات السنين ، فيستمر النظر ويستمر الجزاء . أعاذنا الله من مثل هذه العاقبة السوأى ، وجعلنا من أهل جنته ورضوانه . آمين .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 1 ، ص 109 .
من هدى القرآن — صفحة 100 | السيد محمد تقي المدرسي