تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
مع الإخوة الأصفياء يعطي النفس لذة عظيمة ، كما أن العلم غذاء شهي للروح والعقل . عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ جلوسهم على الأرائك مع إخوانهم المتقابلين لذة للنفس ، ونظرهم إلى خلق الله وتجليات رحمته وقدرته لذة للعقل ، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله : [ يَنْظُرُونَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ في النَّارِ ] « 1 » . قالوا : [ الأرائك جمع أريكة ، أي السرير ] ، وقيل : [ أصلها فارسية ] ، وقيل : [ إنها مشتقة من اسم شجرة يسمى ب - ( أراكة ) ] . [ 24 ] عندما يصفو عيش المرء من الأكدار ، وقلبه من الضغائن والطمع والحرص ، يتلألأ وجهه بآثار النعم ، كما يزهر النبات ويتنور ، كذلك أهل الجنة تفيض على وجوههم الجميلة آثار النعم نضارة ونورا . تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ولعل التعبير ب - تَعْرِفُ يوحي بأنك تعرف مدى النعيم الذي هم مستقرون فيه بنظرة إلى وجوههم ، ومدى نضارتها ؛ فإن النضارة درجات وأنواع ، وهي تعكس ما وراءها من عوامل النعيم ودرجاتها . [ 25 ] وجلسات الإنس لا تكتمل إلا بشراب يزيدهم نشاطا وسرورا يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ، قالوا : [ الرحيق : صفوة الخمر ] ، وقال بعضهم : [ إنها الخمرة العتيقة البيضاء الصافية من الغش النيرة ، وأما المختوم فإنه يوحي بكرامة الشارب ألَّا تسبق إلى الشراب يد غيره ] . [ 26 ] وإذا كان ختم الشراب عادة قطعة طين لازب ، فإن ختم رحيق الجنة المسك الأذفر خِتَامُهُ مِسْكٌ فيزيده عطرا وجمالا ، ولنا أن نتصور آماد هذه النعم فنسعى إليها بكل همة ونشاط وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ في ضمير الإنسان نزعة راسخة تدعوه إلى التسابق والتقدم على الآخرين ، وكثير منا يستثير هذه النزعة الفطرية في التسابق على الدنيا ونعيمها الزائل ، بينما العقل يهدينا إلى أن التنافس ينبغي أن يكون على المكرمات والجنة ، والآية هذه واحدة من عدة آيات قرآنية تستثير هذه النزعة المباركة في الطريق القويم ، وهو التسارع إلى الخيرات ، والتنافس في المكرمات ، قال ربنا سبحانه : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [ الحديد : 21 ] ، وقال سبحانه : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً [ البقرة : 148 ] ، وقال تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً [ الأنبياء : 90 ] . وإذا كان الإنسان يتنافس على شيء ، فإن أفضل ما يتنافس عليه ذلك الرحيق المختوم ، الذي يأتي مكملا لسلسلة من النعم المتواصلة ، ولعل هذا هو السر في ذكر هذه الجملة عند بيان
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 264 .