توضع أعمال الأبرار منه ؟ إن معرفتنا بهذه الحقائق محدودة لأنها فوق مستوانا نحن البشر وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ، يرى المفسرون في مثل هذا الخطاب : أنه موجه إلى شخص الرسول صلى الله عليه وآله . ولكن يبدو لي أنه موجه إلى كل تال للقرآن ؛ فإن القرآن نزل على الرسول ولكن للناس جميعا ، وأمر الناس بتلاوته والتدبر في آياته ، وفي خطابات لهم جميعا ، كقوله سبحانه : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أو للمؤمنين وحدهم ، كقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقد جاء في الحديث : عن الصادق عليه السلام :
[ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِإِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يَا جَارَةُ ]
« 1 » . فهذه الآية لا تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يعرف ما العليون ، كيف وقد فسره لنا ، بل إن هذه الجملة لا تدل على نفي العلم بهذا المقام بقدر دلالتها على أنه مقام عظيم ، والله العالم .
[ 20 ] في ذلك المقام الشامخ يوجد : كِتَابٌ مَرْقُومٌ قالوا : إن هذه الجملة بيان لكتاب الأبرار ، وأنه كتاب مرقوم واضح لا لبس فيه ، ويحتمل أن تكون الجملة تفسير للعليين ، باعتبار أن الكتاب هو الأعلى والأسمى ، لما يحمل من صالح الأعمال ، والله العالم .
[ 21 ] والمقربون عباد الله شهود عند ذلك الكتاب الكريم ، فيستبشرون به ، ويستغفرون للصالحين لينالوا المزيد من الحسنات يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ، إن مجرد حضور المقربين عند الكتاب كرامة وشهادة منهم عليه ، ولذلك فإن الشهادة هنا تأتي بمعنى الحضور والتقرير بشأن صحائف الأعمال وإجازتها ، أما المقربون فهم - حسب الآية التالية - طائفة من البشر يأكلون ويشربون ، وهم الذين ذكرتهم آيات سورة الواقعة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [ الواقعة : 10 - 11 ] وقد بيَّن القرآن شهادتهم بقوله : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [ النحل : 89 ] . وقال بعضهم : [ إنهم الملائكة المقربون ] ، وقيل : [ إسرافيل عليه السلام خاصة ] ، بيد أن التفسير الأول أقرب إلى السياق ، وهو يوحي بكرامة المقربين عند ربهم ، حيث جعلهم شهودا على كتاب الصالحين .
[ 22 ] الكتاب مظهر بارز لمسؤولية الإنسان عن أفعاله ، أما المظهر الأجلى فإنه النعيم المقيم للأبرار ، والجحيم الأليم للفجار . إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ تحيط بهم آلاء الله ، قالوا : لأن كلمة نَعِيمٍ جاءت بصيغة فعيل ( صفة مشبهة ) فإنها تفيد الاستمرار ، ولأنها جاءت نكرة فهي تفيد الكثرة والتنوع ، ويبدو أن التعبير ب - لَفِي نَعِيمٍ هو الآخر يدل على الكثرة والتنوع .
[ 23 ] لأن الإنسان روح وجسد فإن روحه تتطلع إلى لذات خاصة بها بعد أن يتشبع الجسد بالنعم ، فما هي لذة الروح في الجنة ؟ يبدو أنها تتمثل في مجالس المؤانسة والمعرفة ، فالحديث
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 630 .