مزاج شراب الأبرار التسنيم ، بينما يرتوي منه المقربون ، فهو شرابهم الخالص ، وبِهَا لتأكيد معنى الارتواء . عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ولعل في شراب التسنيم آثار معنوية ، حيث يكسب شاربه قربا إلى الله ورضوانا ، وهكذا خمرة الجنة تزيد العقل ، وتنشط الفكرة ، وتلهم الروح إيمانا وعرفانا ، فأين هي من خمرة الدنيا التي تزيل العقل ، وتخمل الفكر ، وتبعد الروح من مقام ربها ؟ ! .
[ 29 ] تلك كانت مجالس الإنس والمصافاة ، وشرب الرحيق والسلسل ؛ يجازي الرب بها عباده الذين عانوا الآلام الروحية ، فكم ضحك منهم المجرمون وكم تفاخروا ، وكم سرقوا منهم لقمة العيش فتفكهوا بها وتركوهم يتضورون جوعا . إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ذكروا في تنزيل الآية سببين :
الأول : أن المجرمين هم أكابر قريش كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم .
الثاني : أنه : [ جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتفاخروا ، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا اليوم الأصلع ، فضحكوا منه ، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ] « 1 » . والظاهر أن سبب النزول الثاني أقوى لأن السورة مدنية .
[ 30 ] أول شهادة تسجل ضد المجرم هي شهادة ضميره الذي لا يني يلومه ويؤنبه على جريمته ، لذلك تراه يسعى جاهدا للتخلص منه فماذا يفعل ؟ إنه ينتقم من أهل الصلاح وينتقص منهم ويستهزئ بهم لعله يخفف من وطأة اللوم الذي يتعرض له داخليًّا . كلا . . . إنه يزداد وخزا وألما لأن الاستهزاء بالمؤمنين جريمة أخرى ارتكبها واستحق عليها لوم ضميره ، وهكذا يزداد استهزاء وسخرية دون أية فائدة . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ أي يشيرون إليهم بأعينهم وأيديهم استهزاء ، وقيل : الغمز بمعنى العيب . والله يدري كم تكون جراحة اللسان أليمة بالنسبة إلى المؤمن الشريف الذي لا يزال يجتهد من أجل تزكية نفسه . وإذا كان الغمز في الجاهلية بالعين واليد فإنه أصبح اليوم بالأقلام والأفلام وسائر وسائل التشهير التي امتلكها أعداء الإنسان ، أعداء الله والدين ، وإن صمود المجاهدين اليوم أمام هذه الدعايات المضللة يزيدهم عند الله أجرا وزلفا ، لأنهم يصبرون على أذى عظيم ، وآلام نفسية لا تحتمل .
[ 31 ] وبينما يعيش المؤمنون والمجاهدون أشد حالات الألم والخوف وتنتفض أطفالهم
هامش
( 1 ) التفسير الكبير : ج 31 ، ص 101 .