بعض الذين عاصروا النبي وصاحبوه ، كل ذلك لأن اليقين ليس مجرد علم بل روح في القلب ، تجعله يطمئن إلى العلم ويسكن إليه ، كما الإيمان والتقوى ، وبتعبير آخر : إن اليقين - كما قلنا في بداية الحديث - نقطة التقاء العلم بالإرادة ، كما أن الإيمان : التسليم والإذعان للعلم ، وعزم وعقد عزمات القلب على قبول مشاهدات العلم مهما بلغ الثمن ، وهذا لا يكون بمجرد ظهور آيات الحقيقة للنفس ، بل وأيضا بتصديق النفس لها ، والسكون إليها ، ولذلك يكون يقين المؤمن بالغيب أشد من علم الكافر بالشهود ، ويبلغ اليقين ببعضهم حدا يعايشون الغيب بكل جوارحهم ، ويقول أميرهم الإمام علي عليه السلام :
[ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً ]
« 1 » ويقول في صفة المؤمنين :
[ فَهُمْ والْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ ، وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ ]
« 2 » .
جاء في الكافي ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ؛ وعلي ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن أبي محمد الوابشي وإبراهيم بن مهزم ، عن إسحاق بن عمار قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
[ إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وهُوَ يَخْفِقُ ويَهْوِي بِرَأْسِهِ مُصْفَرّاً لَوْنُهُ قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ .
قَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ الله مُوقِناً . فَعَجِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله مِنْ قَوْلِهِ ، وقَالَ إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ . فَقَالَ إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ الله هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي ، وأَسْهَرَ لَيْلِي ، وأَظْمَأَ هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا ، ومَا فِيهَا حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وقَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ ، وحُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ ، وأَنَا فِيهِمْ وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ ، ويَتَعَارَفُونَ وعَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ وَكَأَنِّي الْآنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي .
فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله لِأَصْحَابِهِ هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ . فَقَالَ الشَّابُّ : ادْعُ الله لِي يَا رَسُولَ الله أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ ]
« 3 » .
[ 6 ] إن الكافر ليرى الجحيم بعينه ، يلامسها بجوارحه ، فيعلم يقينا أنه مواقعها ، وأنه كان في ضلال عنها مبين ، بينما المؤمن يعي وجود النار ، ويشاهدها ببصائر قلبه ، فيعلم يقينا بها . لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 40 ، ص 153 .
( 2 ) نهج البلاغة : خطبة : 193 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ص 53 .