ولو وعى الإنسان هذه الحقيقة كبح شهوة التكاثر في نفسه ، ولم يدع هذه الحالة تلهيه عن ذكر الله .
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ما هو النعيم ؟ اختلف المفسرون ، بل واختلفت النصوص ، ويبدو أن الكلمة تتسع لكل الأقوال ولو بدرجات مختلفة ، فقد ينفي نص أن يكون طعام الإنسان وشرابه مما يُسأل عنه يوم القيامة ، فقد جاء في مجادلة الإمام الصادق عليه السلام مع أبي حنيفة : [ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَخْبِرْنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَل : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ قَالَ عليه السلام :
فَمَا هُوَ عِنْدَكَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ .
قَالَ : الْأَمْنُ فِي السَّرْبِ ، وَصِحَّةُ الْبَدَنِ ، وَالْقُوتُ الْحَاضِر « 1 » فَقَالَ عليه السلام :
يَا أَبَا حَنِيفَةَ ! لَئِنْ وَقَّفَكَ اللهُ أَوْ أَوْقَفَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْ كُلِّ أَكْلَةٍ أَكَلْتَهَا وَشَرْبَةٍ شَرِبْتَهَا لَيَطُولَنَّ وُقُوفُكَ .
قَالَ : فَمَا النَّعِيمُ جُعِلْتُ فِدَاكَ ؟ قَالَ عليه السلام :
النَّعِيمُ ؛ نَحْنُ الَّذِينَ أَنْقَذَ اللهُ النَّاسَ بِنَا مِنَ الضَّلَالَةِ ، وَبَصَّرَهُمْ بِنَا مِنَ الْعَمَى ، وَعَلَّمَهُمْ بِنَا مِنَ الْجَهْلِ .
قَالَ : جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَيْفَ كَانَ الْقُرْآنُ جَدِيداً أَبَداً ؟ قَالَ عليه السلام :
لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَتُخْلِقَهُ الْأَيَّامُ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَفَنِيَ الْقُرْآنُ قَبْلَ فَنَاءِ الْعَالَم ]
، بينما يثبت ذلك نص آخر ، فما هو تفسير اختلاف النصين ؟ يبدو أن أحدهما ينفي المسؤولية بمعنى العقاب بينما يثبت الثاني السؤال . أو أن الأول ينفي التشديد في السؤال ، بينما الثاني يثبت السؤال . ويدل على ذلك ما جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله :
[ كُلُّ نُعَيْمٍ مَسْئُولٌ عَنْهُ صَاحِبُهُ إِلَّا مَا كَانَ فِي غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ ]
« 2 » .
ونعود ونتساءل : عماذا يُسأل العبد يوم القيامة ؟ بلى ، إنه يُسأل عن طعامه من أين اكتسبه ، وكيف صرفه ، وفي حديث مفصل قال النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر وعمر
[ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَ عَن نَعِيمِ هَذَا اليَوْم . يَوْمَ القِيَامَةِ ،
وَكَانَا قَدْ خَرَجَا جَائِعَين فَصَاحَبَا رَسُول الله إِلى ضِيافَة مَالِك بن التَيهَان - أَحَد الأَنْصَار - فَأَكْرَمَهُم بِقِرَاه فَقَالَ لهَمَا الرَسُول ذَلِكَ ، وَأَضَافَ :
أَخْرَجَكُم مِن بُيوتِكُم الجُوع ، ثُم لَمْ تَرْجِعُوا حَتى أَصَابَكُم هَذَا النعِيم ]
« 3 » . وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فِي قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ : [ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ قَالَ :
الرُّطَبُ والْمَاءُ الْبَارِدُ ]
« 4 » .
كما يسأل المرء عن مجمل ماله من أين اكتسبه وفيم صرفه ، هكذا في الأحاديث المأثورة : سأله عن شبابه فيما أفناه ، وماله فيما أنفقه ، وعن أمنه وعافيته . أليست الصحة نعمة كبيرة فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله :
[ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والْفَرَاغُ ]
« 5 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 10 ص 209 .
( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 16 ص 249 .
( 3 ) القرطبي : ج 20 ص 175 .
( 4 ) وسائل الشيعة : ج 12 ص 140 .
( 5 ) مستدرك الوسائل : ج 12 ص 140 .