عليه السلام يكتب لمحمد بن أبي بكر :
[ يَا عِبَادَ الله ، مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَنْ لَم يُغْفَرُ لَهُ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ ، الْقَبْرُ ، فَاحْذَرُوا ضِيقَهُ وَضَنْكَهُ وَظُلْمَتَهُ وَغُرْبَتَهُ ، إِنَّ الْقَبْرَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ ، أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ وَالْهَوَامِّ ، وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النيرَان ، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ ، مَرْحَباً وَأَهْلًا ، لَقَدْ كُنْتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِي ، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صَنِعِي بِكَ ، فَتَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ الْبَصَر . وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ لَا مَرْحَباً وَلَا أَهْلًا ، لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَبْغَضِ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي ، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صَنِعِي بِكَ ، فَتَضُمُّهُ حَتَّى تَلْتَقِيَ أَضْلَاعُه ]
« 1 » .
[ 5 ] لو علم الإنسان ما يصير إليه لما ألهاه التكاثر لأن المعرفة تورث الخشية ، هكذا قال ربنا سبحانه : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فاطر : 28 ] ولكن حجب الشك والغفلة والشهوات تمنع عنه بصائر العلم واليقين . كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ إذا أسلمت النفس البشرية لهدى الله آمنت ، وإذا طهرت من الشكوك والظنون أوتيت اليقين ، ولليقين درجات ، وما أوتي الإنسان أشرف من اليقين ، هكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام حيث قال :
[ إِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَامُ ، والْإِيمَانُ فَوْقَهُ بِدَرَجَةٍ ، والتَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ ، والْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ ، ولَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ ،
قَالَ قُلْتُ : فَأَيُّ شَيْءٍ الْيَقِينُ ؟ . قَالَ عليه السلام :
التَّوَكُّلُ عَلَى الله ، والتَّسْلِيمُ لله ، والرِّضَا بِقَضَاءِ الله ، والتَّفْوِيضُ إِلَى الله ]
« 2 » . هكذا جعل الإمام أسمى درجات الإيمان وأشرفها اليقين ، مما يدل على أن اليقين هو : طهارة القلب من دنس الشرك والشك والظنون ، وسائر وساوس إبليس وهمزاته .
وجاء في حديث آخر تفسير اليقين بالتغلب على خوف المخلوق ، قال الإمام الصادق عليه السلام :
[ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا ولَهُ حَدٌّ ، قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا حَدُّ التَّوَكُّلِ ، قَالَ الْيَقِينُ قُلْتُ فَمَا حَدُّ الْيَقِينِ ، قَالَ أَلَّا تَخَافَ مَعَ الله شَيْئاً ]
« 3 » . واليقين يجعل عمل المؤمن مقبولا ، بل ويعظم ثوابه ، يقول الإمام الصادق عليه السلام :
[ إِنَّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ الْقَلِيلَ عَلَى الْيَقِينِ أَفْضَلُ عِنْدَ الله مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ ]
« 4 » .
أرأيت الذي يصلي وقلبه متصل بنور الله ، ونفسه طاهرة من الرياء ، والعجب والاستكبار ، ويجاهد ، ونيته لله وحده ، كمن يصلي وقلبه مليء بالوسواس ، ويزكي رياء ، ويجاهد للاستعلاء في الأرض ؟ ! لذلك كان أئمة الهدى عليهم السلام يجأرون إلى الله في طلب الزيادة من اليقين ، ويحثون
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 6 ، ص 219 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 6 ، ص 218 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 57 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ص 57 .