تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
شرفة من إيوان كسرى ، وغاضت بحيرة ساوة ، وفاضت بحيرة سماوة ، وانطفأت نار المجوس بعد مئات السنين من اشتعالها . وقرن الله به منذ ولادته ملكا يسلك به طريق المكارم ، قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : [ ولَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صلى الله عليه وآله مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ ونَهَارَهُ ] « 1 » . وهكذا أدبه الله فأحسن تأديبه كما قال صلى الله عليه وآله عن نفسه . إلا إن ذلك كله لا يعني أن القرآن من وحي نفسه بل إنه كان غافلا عن القرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه ، لذلك قال سبحانه : وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ [ يوسف : 3 ] وقال : وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت : 48 ] وقال : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [ الشورى : 52 ] . وبهذا المفهوم كان الرسول ضالا عن الشريعة الجديدة ، وليس ضالا عن أية شريعة ، وعن الهدى الجديد لا عن أي هدى . هكذا قال بعض المفسرين . بينما نجد تفسيرا آخر ينسجم مع مقام الرسول : أنه كان ضالة العالمين ، يبحثون عنه ، فهدى الله إليه الناس ، وهذا تفسير أهل البيت عليهم السلام ، وهو إن لم يكن تفسير ظاهر القرآن فلا ريب أنه تفسير بطن من بطونه ، أوليس للقرآن سبعة أبطن ؟ هكذا روي عن الإمام الرضا عليه السلام في قوله : [ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى قَالَ : [ فًرَداً لَا مَثِيلَ لَك فِي المَخْلُوقِين ، فَآوَى الناسُ إِلَيْك وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى أَي ضَالًا فِي قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَ فَضْلكَ فَهَدَاهُم إِلَيْكَ وَوَجَدَكَ عَائِلًا تَعُولُ أَقْواماً بِالعلْمِ فَأَغْنَاهُم الله بِك ] « 2 » . وهناك تفسيرات أخرى للآية تعكس اهتمام المؤمنين بمقام الرسول صلى الله عليه وآله وعدم نسبة الضلالة إليه كأن يكون الضلال بمعنى الضياع عن الطريق في طفولته ، أو عندما سافر إلى الشام للتجارة ، ولكن التفسيرين الأولين أولى . [ 8 ] وكان الرسول يعيش في قبيلة بني هاشم ، التي كانت تتميز بالسؤدد ، والخلق الرفيع ، وتعتبر المرجع الديني في مكة المكرمة ، ولكنها لم تكن ذا مال كبير وبالذات أبو طالب الذي أصبح شيخ بني هاشم بعد عبد المطلب بالرغم من فقره حتى قيل : ما ساد فقير إلا أبو طالب ، ومن المعروف تاريخيا أنه عليه السلام قبل بتكفل أولاده من قبل إخوته لضيق ذات يده . ولكن الله من على الرسول بالسعة ، حيث آمنت به واحدة من أثرى قريش وهي خديجة بنت خويلد التي تزوجها الرسول صلى الله عليه وآله فأصبح غنيا بفضل الله . وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى وقد مضى تفسير آخر للآية : أن الرسول كان يعيل الناس ، فأغناهم الله بعلم الرسول وهداه .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 192 . ( 2 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 595 .