مَا سَأَلَ أَحَدٌ أَحَداً ولَوْ يَعْلَمُ الْمُعْطِي مَا فِي الْعَطِيَّةِ مَا رَدَّ أَحَدٌ أَحَداً ]
« 1 » .
[ 11 ] الرزق طعام الجسد ، وشكره طعام الروح ، ومن فقد الشكر أحس بجوع دائم ، أوليس أعظم الغنى غنى النفس ؟ أولئك الذين يستشعرون الفقر النفسي يشبهون تماما المصابين بمرض الإفك ، تسري في عروقهم قشعريرة باردة ولو تحت عشرين دثارا . والعطف على اليتيم ، ورد السائل بالإنفاق أو بالكلام الطيب مظهران للشكر ، إلا إن لشكر نعم الله مظاهر شتى أمر الإسلام بها جميعا عبر كلمة حكيمة جامعة ، فقال : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ والحديث عن النعمة يشمل ثلاثة أبعاد :
أولًا : الاعتراف به ، وبيانه أمام الملأ لكي لا يحسبه الناس فقيرا وهو مستغن بفضل الله ، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية :
[ فَحَدِّثْ بِمَا أَعْطَاكَ اللهُ وَفَضَّلَكَ وَرَزَقَكَ وَأَحْسَنَ إِلَيْكَ وَهَدَاك ]
« 2 » .
ثانياً : أن يرى أثر نعمته على حياته ، فلا يبخل على نفسه مما رزقه الله ، مما يخالف حالة الترهب الذي نهى عنه الإسلام فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : [ حِينَ اشْتَكَى إِلَيْهِ الربِيْع بن زِيَاد أَخَاهُ عَاصِم بن زِيَاد ، وَقَالَ : أَنَّه لَبسَ العَباءَة ، وَتَرَكَ الملأ ، وَأَنَّهُ قَدْ غَمَّ أَهْلَهُ وَأَحْزَنَ وُلْدَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام :
عَلَيَّ بِعَاصِمِ بْنِ زِيَادٍ .
فَجِيءَ بِهِ فَلَمَّا رَآهُ عَبَسَ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ لَهُ :
أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ أَهْلِكَ أَمَا رَحِمْتَ وُلْدَكَ أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَخْذَكَ مِنْهَا أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذَلِكَ أَوَ لَيْسَ اللهُ يَقُول :
وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ( 10 ) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ [ الرحمن : 10 - 11 ]
أَوَ لَيْسَ يَقُول :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ( 19 ) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [ الرحمن : 19 - 20 ]
إِلَى قَوْلِه :
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [ الرحمن : 22 ]
فَبِالله لَابْتِذَالُ نِعَمِ الله بِالْفعلِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنِ ابْتِذَالِهَا بِالْمَقَالِ فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَل :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
. فَقَالَ عَاصِمٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! فَعَلَامَ اقْتَصَرْتَ فِي مَطْعَمِكَ عَلَى الْجُشُوبَةِ وَفِي مَلْبَسِكَ عَلَى الْخُشُونَةِ فَقَالَ :
وَيْحَكَ ! إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ .
فَأَلْقَى عَاصِمُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبَاءَ وَلَبِسَ الْمُلَاء ] « 3 » .
وينبغي أن يأخذ الإنسان من زينة الحياة الدنيا بقدر حاجته ، فقد روي عن رسول الله
هامش
( 1 ) الكافي : ج 4 ص 20 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 386 .
( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 386 .