تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وهذه الأسباب متداخلة ، فقد يكون سبب تأخير الوحي الظاهر أكثر من سبب واحد ، وأنى كان فقد امتحن المؤمنون ، وزاد شوق الرسول إلى الوحي ، كما ذهبت إشاعات المشركين أدراج الرياح ، وعرف الناس أن كلامهم باطل ، وأمرهم فرط . [ 4 ] وكما يتفجر ضحى الشمس بعد ليل ساج ، وكما يتنزل الوحي بعد انقطاع وانتظار كذلك الآخرة التي تتأخر زمنيا عن الأولى خير وأبقى ، وعلى المؤمن ألا يستعجل النتائج فقد يكون في تأخيرها مصلحة كبرى . وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى قيل : [ أن له في الجنة ألف ألف قصر من اللؤلؤ ترابه من المسك ، وفي كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم ، وما يشتهي ، على أتم الوصف ] « 1 » . وقال بعضهم : [ الآخرة تعني المستقبل ، وفيها بشارة للنبي بأنه سيفتح له فتحا مبينا ] . [ 5 ] ويبدو لي أن أعظم ما بشر به النبي لقاء جهاده في الله ، وعنائه الشديد الذي فاق عناء الأنبياء جميعا كانت الشفاعة ، ذلك أن قلبه الكبير كان ينبض بحب الإنسان ، وهدفه الأسمى كان إنقاذ البشرية من إصر الشرك والجهل وأغلال العبودية والتخلف والفقر والمرض ، وحتى في يوم القيامة حيث كان يقول جميع الناس والأنبياء معهم : نفسي نفسي ، ترى رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو ربه بالشفاعة ويقول : أمتي أمتي ، وفي أشد لحظات حياته عندما نزلت به سكرات الموت كان يقول لقابض روحه : شدد علي وخفف عن أمتي . إن هذا القلب الكبير لا يملؤه إلا حب الله وحب عباده ، ولا يرضيه سوى إنقاذ عباد الله في الدنيا من الضلال بالدعوة والجهاد ، وفي الآخرة من النار بالشفاعة ، ولذلك جاءت الآية التالية تفسيرا للآية السابقة : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وماذا يرضي الرسول غير الشفاعة في أمته ؟ من هنا جاءت الرواية المأثورة عن الإمام علي عليه السلام حيث قال : [ قَالَ : رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله : يُشَفِعُنِي الله فِي أُمتِي حَتَى يَقُولُ الله سُبْحَانَهُ لِي : رَضِيتَ يَا مُحمد ! فَأَقُولُ يَا رَب رَضِيت ] « 2 » . وروي عنه عليه السلام قال : [ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله أَشفَعُ لأُمتي حَتَى يُنَادِي رَبي رَضِيتَ يَا مُحمد فَأَقُولُ رَب رَضِيت . ثُم قَالَ إِنَّكُم مَعْشر أَهْلِ العِرَاق تَقُولون إِنَّ أَرجَى آية فِي القُرآن يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر : 53 ] قُلتُ إِنا لَنَقُولُ ذَلِكَ . قَالَ وَلَكِنا أَهْل البَيْت ، نَقُولُ إِنَّ أَرْجَى آيةً فِي كِتَابِ الله [ قَوْلَهُ تَعَالى ] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وَهيَ الشفَاعَة ] « 3 » . وفي حديث آخر : [ وَهيَ وَالله الشفاعةُ لَيُعْطِينها فِي أَهْلِ لا إله إلا الله حَتى يَقُولُ : رَب رَضيت ] « 4 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 644 . ( 2 ) القرطبي : ج 20 ، ص 95 . ( 3 ) شواهد التنزيل : ج 2 ، 446 . ( 4 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ص 595 .