وقد أتعب رسول الله نفسه ، وحمل ذوي قرباه على أصعب المحامل من أجل الله ، ولبلوغ درجة الوسيلة ( التي أظنها هي الشفاعة بذاتها ) جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[ أَنَّهُ دَخَلَ يَوماً عَلَى فَاطِمَة عليها السلام وَعَلَيْهَا كِسَاءٌ مِنْ ثُلةِ الإِبلِ ، وَهي تَطْحَنُ بِيَدِهَا ، وَتُرضِعُ وَلَدَهَا ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُول الله لمَا أَبْصَرَهَا ، فَقَالَ : يَا ابْنَتَاه تَعَجَلي مَرَارَةَ الدُنْيَا بَحَلاوَةِ الآخِرَة ، فَقَدْ أَنْزَلَ الله عَلَي
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
وَقَالَ الإمَامُ الصَادِقْ عليه السلام : [ رِضَا جَدِي أَنْ لَا يَبْقَى فِي النارِ مُوَحِد ]
« 1 » .
[ 6 ] لقد ترعرع رسول الله يتيما ، فقد والده وهو لا يزال في بطن أمه ، ثم فقد والدته في الطفولة المبكرة ، وذاق - كبشر - كل ما يعانيه يتيم الأبوين من حرمان عاطفي ، فجعله الله ينبوع الحب والحنان . أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى كان رسول الله بطلعته البهية ، وجذابيته الأخاذة ، وبما حباه الله من بركة تفيض على من حوله مأوى القلوب التي تهوى التقرب إليه وتتنافس على خدمته ، ألم تسمع قصة عبد المطلب - جده العظيم - كيف كان يشرف شخصيا على راحته ، ومن بعده عمه أبو طالب - سيد بني هاشم - يستميت في الدفاع عنه ، ويفضله على أولاده في الخدمة . سبحان الله ! كيف يتجلى بآياته للخلق ، فيجعل يتيم الأبوين أعظم شخصية عبر التاريخ ، الذي أحبه أهل الأرض وأهل السماء ، فلم يحبوا أحداً مثله .
وقد أثار البعض السؤال التالي : لأية حكمة جعل الله خاتم أنبيائه يتيم الأبوين ؟ .
تجيب الرواية التالية على ذلك : يقول الإمام الصادق عليه السلام :
[ لِئَلا يَكُونُ لِمَخْلُوقٍ عَلَيهِ حَق ]
« 2 » . وهناك تفسير آخر لليتيم نجده في بعض النصوص سنذكره ضمن تفسير الآيات التالية إن شاء الله .
[ 7 ] وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى لقد قدر الله للنبي صلى الله عليه وآله أن يكون خاتم النبيين قبل ولادته ، بل كان نورا يحدق بعرش الله ، وقد قال صلى الله عليه وآله :
[ كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّين ]
« 3 » . . بل كان مثلا للنور الذي خلقه الله في البدء ثم خلق الخلق به . جاء في حديث شريف :
[ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورِي ]
« 4 » . وقد قلبته يد الرحمة الإلهية في أصلاب شامخة ، وأرحام مطهرة ، حتى قال ربنا تعالى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [ الشعراء : 219 ] ، وعند ولادته من أبوين كريمين - عبد الله عليه السلام ، وآمنة بنت وهب عليها السلام - أظهر الله آيات عظيمة في العالم ، إيذانا بولادته فسقطت
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 595 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 16 ، ص 136 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 16 ص 402 .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 1 ص 97 .