فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم * وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
[ 3 ] وكما جسد الإنسان بحاجة إلى سبات الليل ، فإن روحه عطشى إلى الوحي ، أوليس للنفوس إقبال وإدبار ، وكما أن الليل لا يدل على نهاية النور ، كذلك تأخر الوحي لا يعكس انتهاءه ، بل كان الوحي يتنزل حسب الحاجة ، ولم يهبط جملة واحدة ليكون أثبت لأفئدة النبي والمؤمنين ، وقال سبحانه : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] .
هكذا تأخر الوحي قليلا عن الرسول صلى الله عليه وآله ليعرف الجميع أنه ليس بشعر منه ، ولا باكتتاب لصحف الأولين ، ولا بإبداع من ذاته ، وإنما هو الوحي الذي يتنزل بأمر الله متى شاء وكيفما شاء ، ولكي تنتشر أراجيف قريش وتتراكم كما انتشرت حبال سحرة فرعون فخيل إلى الناس بأنها سحر عظيم ، هنالك أمر الله موسى عليه السلام بأن يلقي عصاه تلتف ما أفكوا . فكانت أشد وطأة ، وأبعد أثرا ، كذلك الوحي حينما عاد إلى هضاب مكة كما الضحى يأتي بعد ليل ساج فتتلاشى ظلام الإشاعات من أرجاء البيت الحرام ، وتتبدد شكوك ضعاف المسلمين ، ويبدأ نهار الرسالة نشيطا مندفعا .
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى أي ما ودعك الوداع الأخير ، ولا أبغضك - حتى ولو بصورة مؤقتة - وقد اختلفت أحاديث الرواة عن سبب تأخر الوحي ويمكن الجمع بينهما ، ونحن نذكر فيما يلي طائفة منها لما فيها من فوائد هامة ، بالإضافة إلى أنها توضح جانبا من حياة الرسول ، وتساهم بقدر ما في فهم القرآن : روي عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير السورة
[ إنَّ جَبْرئيل أَبْطَأَ عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وآله وَأَنَّهُ كَانَتْ أَولُ سُورَةٍ نزَلَتْ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
ثُم أَبْطَأَ عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ خَدِيجَة لَعل رَبُكَ قَد تَركَكَ فَلا يُرسِلُ إِليكَ فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالى
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ] « 1 » . وفي حديث آخر :
[ أنَّ المسْلِمين قَالوا لِرَسُولِ الله : مَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ الوحيُ يا رسُول الله ؟ ! فَقَالَ : وَكَيْفَ يَنْزِلُ عَليَّ الوَحْي وَأَنْتُم لا تَنْقون بَرَاجِمكُم « 2 » وَلا تَقْلِمُونَ أَظَافِركُم .
وَلما نَزَلَتْ السُورَة قَالَ النبيُ صلى الله عليه وآله لجَبرائيل عليه السلام :
[ مَا جِئتَ حَتى اشْتَقْتُ إِليكَ . فَقَالَ جَبْرائيل : وَأَنَا كُنْتُ أَشدُ إِليكَ شَوقاً ، وَلكني عَبْدٌ مَأْمور ، وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمرِ رَبِك ]
« 3 » . وروي عن ابن عباس :
[ أنَّه احْتَبَسَ عَنْهُ الوَحي خَمْسَةَ عَشر يَوماً ، فَقَالَ المشْرِكون : أنَّ مُحمداً وَدعَهُ رَبُهُ وَقَلاه ، وَلَو كَانَ أَمرهُ مِنَ الله لتَابَعَ عَليهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبياء ]
« 4 » فنزلت السورة .
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 428 .
( 2 ) أي العقد التي تكون في ظهر الأصابع .
( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 644 ، تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 594 .
( 4 ) تفسير القرطبي : ج 20 ص 92 .