إلى جنة الخلد الأبدية .
[ 12 ] أما شرابهم فإنه من عين تتدفق بين جناتهم الخضراء . فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ما أروع منظر العين المتدفقة التي تجري على الأرض أو فوقها بلا أخدود - كما قالوا - فيها ألوان الشراب من عسل مصفى ، إلى لبن سائغ ، إلى شراب طهور ، وماء مزاجه من تسنيم . . أذلك خير أم العين الآنية ! إن وعي هذه النعم في الدنيا يسمو بالمؤمن إلى عدم الاستسلام لإغراء شراب الدنيا الحرام ، والترفع عن ملذاتها المحدودة ، انتظارا لما هو أشهى وأطيب مذاقا وأعظم .
[ 13 ] أعظم لذات البشر مجالس المؤانسة مع خلان الصفا بتبادل المحبة والود والكلمات السامية والمعارف الجديدة ، ويبدو أن السياق يحدثنا عن جانب من هذه المجالس ، فبالإضافة إلى الشراب الذي يدار بينهم يصور لنا السرر المرفوعة التي يتقابلون فيها . فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ
[ 14 ] لقد أغناهم تعب الدنيا والكدح فيها عن التعب هناك ، فاشتغلوا بمجالس الأنس عن النصب الذي يشتغل به أهل النار ، فتراهم يتنازعون كؤوس الشراب الطهور الموضوعة أمامهم بلا عناء ولا نصب . وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ مليئة بالشراب الطهور .
[ 15 ] وهم يتكئون على وسائد لطيفة . وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ قالوا : النمرق أي الوسادة ، وانشدوا :
كهول وشبان حسان وجوههم * على سرر مصفوفة ونمارق
[ 16 ] وفي كل جهة تجد البسط التي لا خمل لها كالسجاد ، أنى شئتها وجدتها وأخذتها لبساطك . وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ قالوا : أنها الطنافس التي لها خمل رقيق .
[ 17 ] ليس بين الإنسان وبين فهم الحقائق إلا حجاب الغفلة ، فإذا ما كشف عنه هذا الحجاب إذا به يجدها ظاهرة أمامه . . والقرآن يساعده على ذلك . ألا ترى كيف يرغبه في النظر إلى تلك الحقائق المألوفة حوله والتي يغفل عادة عن غيبها ودلالاتها البعيدة ، فيقول : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ فإذا نظروا تماوجت بحار المعرفة أمام أنظارهم . حقا : إن هذه الإبل التي اندمجت بحياتهم حتى جعلت حياتهم وإياها نسيجا واحدا ، وابتدعوا لها ألف اسم يصفون فيه كل مراحل وجودها وأغلب صفاتها وحالاتها ، وربما لم يبتدعوا للإنسان مثل هذا العدد من الأسماء . . هذه الإبل التي يمتطون ظهرها ، ويشربون لبنها ، ويأكلون لحمها ، ويتداوون ببولها ، ويصنعون من أشعارها وأوبارها بيوتا خفيفة وثيابا وزينة . أفلا ينظرون إليها ليعرفوا كيف خلقت لتكمل حياتهم خصوصا في تلك الصحاري القاحلة ؟ ! .