الواقعية كما هي ويجعلنا نعتبر بها . وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ عندما ينبلج الفجر من الأفق ، وينتشر الضياء فوق الروابي ، وتسرع أسراب الطيور بالتحليق بحثا عن رزقها ، وتستيقظ الطبيعة لتسبح ربها ، هنالك انظر إلى السماء كيف جعلها الله سقفا محفوظا ، وزرقة وادعة ، وروعة وجمالا . وعند المغيب حينما تتماوج الألوان الزاهية فوق قطعة سحاب تسمرت في الأفق شطر المغرب ، إنها تذهب حقا بالألباب ، وينتبه الإنسان يومئذ إلى هذا البناء العظيم فوقه كيف بناه الله ورفعه بلا عمد نراه . وفي الليل عندما يسير زورق فضي في بحر من الظلام ، وتنتثر على امتداد البصر النجوم الثواقب ، لا تكل العين من جمالها وروعتها . . هنالك يقول الإنسان : سبحانه الله . أما إذا جلس المرء وراء جهاز تلسكوب لينظر من خلاله إلى الأجرام السابحة في الفضاء الرحيب ، واستمع إلى عالم فلكي يشرح له المسافات الضوئية بينها وإلى دقة نظامها فلا يملك إلا أن يسجد لله القدوس ويكفر بالأنداد من دونه .
[ 19 ] وتنساب العين من السماء إلى الجبال ليجد الكتل الصخرية الهائلة قد نصبت في مراكزها لتقي الأرض شر الهزات والعواصف ، ولتكون خزائن المياه ، والمعادن ، ويتساءل : ما هده الدقة المتناهية في وضع هذه الصخور في مواضعها لو تقدمت عنها أو تأخرت سببت مشاكل عظيمة ! ولو فكرت كيف تكونت الجبال لازددت عجبا . وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ .
[ 20 ] ونظرة إلى الأرض وطريقة انبساطها وتذليلها وكيف مهدها الله للإنسان بفعل الأمطار الغزيرة التي غسلت أطراف الجبال وسوت الأرض لتكون صالحة للسكنى والزراعة . وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ وهذه الكلمات تذكرنا بضرورة البحث عن الكيفية ، وميزات وخصائص كل الموجودات حولنا ، وأيضا البحث عن العوامل المؤثرة فيها : كيف وبأية عوامل ملموسة كانت السماء وكانت الجبال وكانت الأرض بهذه الكيفية ، وهكذا يحرضنا كتاب ربنا على البحث والتنقيب سواء على صعيد العلماء والخبراء أم على مستوى كل فرد فرد منا علينا جميعا أن نتفكر ونعقل ولا نكون غافلين عما يجري حولنا . . إن ذلك هو السبيل إلى معرفة الخالق أكثر فأكثر ، ومعرفة الخالق هي أصل كل خير وفلاح .
[ 21 ] الأدلة مبثوثة في أرجاء الخليقة ، وعقل الإنسان يكفيه حجة ، ويأتي النبي صلى الله عليه وآله ومن يتبع نهجه ليقوم بدور المذكر . إنه ليس مكلفا عنهم ولا مكرها لهم ، ولا يتحمل مسؤولية أفكارهم ، وإنما هم المسؤولون . فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ فما على الرسول إلا البلاغ المبين ، حتى معرفة الله لا تتم إلا بعقل الإنسان الذي يستثيره النبي بتذكرته .
[ 22 ] وليس الرسول عليهم بجبار ، إنما يذكر بالقرآن من يخاف وعيد . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ السيطرة هي التسلط ومعناها الجبر والإكراه .
من هدى القرآن — صفحة 175
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٥