تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وهذا تأويل حسن للآية ، بيد أن تفسيرها - فيما يبدو من السياق - أعم وأشمل . روي عن ابن عباس : [ أَنَّهُم يُكلفُونَ ارْتِقَاءَ جَبَلٍ مِنْ حَدِيد فِي جَهَنَّم ، فَيَنْصِبُونَ فِيهَا أَشَدَّ مَا يَكُونُ مِنَ النصَب ، بِمُعَالَجة السَلاسِل وَالأَغْلال وَالخَوْض فِي النار ، كَمَا تَخُوض الإِبل فِي الوَحلِ ، وَارتِقَائِهم فِي صُعودِ مِنْ نَار ، وَهُبوطِهم فِي حُدورٍ منها ] « 1 » . وفي بعض الروايات أنهم يجدون في طرف جهنم باباً إلى الجنة فما يألون جهدا للوصول إليه حتى إذا اقتربوا منه أغلق دونهم . وأنى كان عملهم ونصبهم فإنهم لو عملوا عشر معشار ذلك في الدنيا لكفاهم عملًا ونصباً ، ورزقهم الله جنة ونعيما . [ 4 ] ما عاقبة هذا الفريق الخاسر ؟ النار الحامية يذوقون حرها مباشرة ومن دون وقاية . أليسوا قد فجروا في الدنيا ولم يتقوا نار جهنم فيها ؟ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً صلى بالنار : لزمها واحترق بها ، والحامية : حارة ( شديدة الحر ) . ولعل كل هذه الصفات ذكرت لكي لا تحتمل النار التأويل ، فيقول البعض أن النار لا تحرق ! أوليست بحارة ! أو بينها وبين الإنسان حجاب ! كلا . . لا مفر منها ومن لهبها أبدا . [ 5 ] شدة الحر وتواصل الاحتراق بالنار يجعل أهلها من عطش شديد فيطلبون الماء فلا يعطونه ألف عام وبعده يعرضون على عين آنية . تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ قد بلغت من الحرارة أناها ومنتهاها ، وقيل : أن جهنم أوقدت عليها منذ أن خلقت . هكذا يدفعون إليها ورداً شرابا وساءت شرابا وساءت مرتفقا . [ 6 ] وإذا طلبوا طعاما قدم لهم شيء أمر من الصبر يسمى بالضريع . لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ طعام يتضرع أكله من شدة خشونته ومرارته ونتنه . إنه حسب ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : [ الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ أَمَرُّ مِنَ الصَّبِرِ وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ وَأَشَدُّ حَرّاً مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللهُ الضَّرِيع ] « 2 » . فهل هو نبتة نارية كالزقوم ، أم هو عرق أهل النار وما يخرج من فروج الزواني كالغسلين ، أم هو شيء آخر ، وإذا كانت نبتة فكيف لا تحترق بالنار ، وإذا كان عرقا كيف لا يتبخر ؟ ! . إن العالم الآخر يختلف عن عالمنا ، وإنما تتشابه الألفاظ لكي ندرك ما يمكن أن ندرك من ذلك العالم ، وإلا فإن كل شيء هناك مختلف عما لدينا ، فالنار غير نارنا ، وجلود أهلها غير جلودهم هنا ، والعقارب والحيات وشجرة الزقوم ليست كأمثالها في الدنيا التي تحترق في لمحة
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 20 ، ص 27 ، وفي المصدر : ارتقاؤها . . هبوطها . . وأظنها خطأ . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 169 .