إنها من أصعب الحيوانات مراسا وقدرة على تحمل المشاق . إنها تحمل أثقالا عظيمة ، وتخوض غمار البراري القفر ، وتصبر أياما عديدة ربما بلغت أسبوعا أو عشرة أيام بلا زاد ولا شراب وتتحدى الأعاصير الرملية بما خلق فيها من قدرة ومن أهداب لمقاومتها ! إن أرجلها المفلطحة تستطيع أن تطفو على الرمال الرخوة حتى سميت بسفينة الصحراء . ثم تراها تقتات الأشواك الحادة ، وتختزنها لحين اجترارها في الوقت المناسب ، كما تختزن الماء لفترات طويلة . من الذي خلقها بهذه الطريقة العجيبة ؟ ومع ضخامة جثتها ، وعظم قدرتها ، تراها خاضعة للإنسان الضعيف أليفة وديعة ، حتى حكيت قصة الفارة التي سحبت حبل بعير ، فتبعها ظنا منه أنها صاحبه . وإذا قارنت الإبل بما يشابهها من الحيوانات كالفيل ووحيد القرن لرأيت الإبل أعظم منفعة وأقل مؤونة فإن الفيل مثلا لا يؤكل لحمه ، ولا يشرب لبنه .
وننقل هنا بعضاً مما قاله الدكتور أحمد زكي حين تحدث عن الجمل : [ ومن تصاميم الخلق مواءمة بين حيوان وبيئته أن حمل الجمل على ظهره سناما ، هو من عضل وشحم ، وهو يزداد لحما وشحما على الغذاء عندما يكثر ويطيب ، حتى إذا خرج الجمل إلى سفر وعزه الغذاء وكاد ينذره الجوع بالفناء وجد الجسم فيما حمل من شحم في سنامه غذاء يطول به العيش أياما . ومن زاد الصحراء الماء ، ولعله أول زاد ، وفي جسم الجمل من الاحتياط ما يحفظ به عليه الماء ، من ذلك أنه لا يعرف أو لا يكاد ، ومن ذلك أن أنفه متصل بفمه ، والفم يحبس ما يخرج مع هواء التنفس من ماء . . وقد يبلغ ما يشربه به الجمل ستين لترا من الماء ! أفليس بمعدته خزائن ثلاث ؟ .
ويضيف : وما كان لغير الجمل من الحيوانات أن يقطع الصحاري ، وتهيأ الجمل لذلك بخفه ، فهو لا يغرز في الرمل ، وتغرز الحوافر في حمر وخيل . وتهيأ الجمل بقوائمه الطويلة القوية ، فيه صلبة صلدة تحمل جسدا ضخما فوقه سنام . وأعان ارتفاع قوائم الجمل على تخطي ما يعترضه في الصحراء من أرض قليلة الاستواء . وعينا الجمل عليهما رموش ثقيلة ، وهي لمنع الرمال أن تدخل إلى عينيه عندما يغمضها ، وأذنا الجمل كثيرة الشعر ، ولعل هذا لمنع دخول الرمل فيهما ، وأنف الجمل إنما هو شقان ضيقان ، يسهل إغلاقهما عند الحاجة ، والجمل يغلقهما حبسا للرمل أن يدخلهما . . كل شيء في خلق الجمل يهدف إلى الرمل يتوقاه ، من الخف إلى الرأس ] « 1 » .
فسبحان الله الذي خلق الإبل ، وتبا لمن نظر إليها ولم يعتبر .
[ 18 ] حين نقرأ آيات الذكر يخيل إلينا أنها ترسم لوحة فنية ، فإذا ذكرت الإبل تذكر بعدها السماء ثم الجبال فالأرض حتى تكتمل الصورة ، بلى ، هكذا كتاب ربنا يصف الحقائق
هامش
( 1 ) في سبيل موسوعة علمية ، أحمد زكي ، دار الشروق القاهرة ، ط : 1 ، عام 1971 م .