تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
بصر لو تعرضت لنيران جهنم ، كلا . . إنها جميعا خلقت لذلك العالم وبمقاييسه ، كما أن الزمن هناك غير الزمن هنا . . وإذا فسرنا كلمة من كلمات القرآن التي توضح الآخرة فليس إلا تفسيرا قريبا من واقعها ، وليس تفسيرا دقيقا . وهكذا الضريع ، وهو في الدنيا - كما قالوا - : [ نبت ذو شوك لاصق بالأرض ، تسميه قريش الشبرق إذا كان رطبا ، فإذا يبس فهو الضريع ، لا تقربه دابة ولا بهيمة ولا ترعاه ، وهو سم قاتل ، وهو أخبث الطعام وأشنعه ، وأنشدوا لبعضهم « 1 » :
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى * وعاد ضريعا بان منه النحائص
[ 7 ] وهذا الطعام نوع من العذاب لأنه ليس فيه أية منفعة من الطعام ، فهو لا يعوض خلاياهم المفقودة ، ولا يطفئ لهيب الجوع . لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ولو أنهم اجتنبوا السحت في الدنيا لاتقوا الضريع في الآخرة . [ 8 ] وفي الجهة الأخرى تجد أهل الجنة كأفضل ما يكونون . . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ منعمة قد أشرقت وجوههم بآثار النعمة حتى تجلت نضارتها لكل عين . أوليست النعمة إذا بلغت كمالها ظهرت في الوجه ؟ . [ 9 ] ويظهر من وجوههم رضاهم القلبي بما عملوا في الدنيا ، لأنهم وجدوا عاقبة أمرهم الحسنى . لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ . [ 10 ] أوتدري أين هم ساكنون ؟ هناك في الأعالي حيث يتفيئون ظلال الأشجار . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ إن الجنة في المقام العالي ، بينما النار في الدركات السفلى . [ 11 ] وإذا اطمأنت النفس بالرضا ، والجسد بالفواكه ، والظلال الوارفة ، والمقام السامي فإن الإنسان بحاجة إلى الأمن الذي يجده هؤلاء في أتم صوره ، فلا اعتداء ولا بغي ولا ظلم ولا غش ولا احتيال ، بل ولا كلمة نابية تنال مقدساتهم ( مثل كلمات الشرك التي آذتهم في الدنيا ) أو تنال أشخاصهم ( مثل الفحش والسب والغيبة والتهمة وما أشبه ) ولا حتى كلمات عبثية ( كالتي يتناولها البطالون فيتلفون أوقاتهم بلا فائدة ) كلا . . إنهم في سلام شامل . لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً أي لا تسمع فيها كلمة لغو . كذلك كانوا في الدنيا ، إذا مروا باللغوا مروا كراما ، كانوا لا يتعرضون لأحد بكلمة بذيئة ، ويتحملون أذى الناس كاظمين عافين محسنين ، فجزاهم الله بحياة زاخرة بالسلام والرضا . بلى ، المؤمنون يصنعون لأنفسهم وضمن بيئتهم الخاصة وفي حدود إمكانات الدنيا صورة مصغرة للجنة ، يتنعمون فيها قبل أن ينتقلوا
هامش
( 1 ) ينسب للشاعر أبي ذؤيب ، تفسير القرطبي : ج 20 ، ص 30 .