تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
بالقياس إلى ذلك اليوم تافهة جدا . هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ للاستفهام وقع كبير في النفس ، والسؤال هنا عن حديث هام يفرض نفسه ويأتيك سعيا لضخامته ، بينما الأحاديث التافهة تبحث عنها وقد لا تجد لها أثرا . . بلى ، إنه الحديث عن الغاشية ، حقيقة تغشى كل شيء . البر والبحر والجبال والأحياء . . تحيط بها القيامة ، والسماوات وما فيها تنوء بها ، فأنى لهذا الإنسان . . ماذا يغشانا من القيامة ؟ أدخانها كما قال ربنا : يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ( 10 ) يَغْشَى النَّاسَ [ الدخان : 10 - 11 ] ، أم نارها : وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ [ إبراهيم : 50 ] ، أم زلزالها : إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ( 1 ) وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [ الزلزلة : 1 - 2 ] ، أم صيحتها ، أم قارعتها ، أم صاختها ، أم كل أهوالها ؟ بلى ، إنها الغاشية التي لا تدع أحدا يهرب منها ، وإنها الغاشية التي لا تترك جزءا من الإنسان فارغاً . [ 2 ] وأبرز ما يغشاه ذلك اليوم الوجه الذي هو مظهر الإنسان . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ يعلو وجوههم قتر وهوان ، وخشوع الخيبة والذل ، لأنهم لم يخشعوا في الدنيا خشوع الكرامة والعزة ، ولذلك نقرأ في الدعاء : [ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خُشُوعَ الْإِيمَانِ قَبْلَ خُشُوعِ الذُّلِّ فِي النَّار ] « 1 » . [ 3 ] ولأنها تكاسلت في الدنيا ، وأهملت واجباتها ، وتهربت من المسؤوليات ، فإنك تراها في ذلك اليوم في كدح وتعب . عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ قالوا : هذا في الدنيا ، إذ لا عمل في الآخرة ، وفسروا العمل بالدأب في السير والنصب بالتعب ، ولكن من قال لا عمل في الآخرة ولا نصب ؟ بلى ، وتحركهم في صحراء المحشر وسط ظلام دامس تسوقهم ملائكة العذاب ، ويشهد عليهم ملائكة الحساب . . إنه عمل ناصب . إنما عملهم ثمة بلا فائدة ترجى لهم ، ونصبهم بلا ربح ومكسب ، ولو أنهم أجهدوا أنفسهم في الدنيا قليلا لأعقبتهم راحة طويلة في العقبى ، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صفة المتقين : [ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً ] « 2 » . وفي طائفة من النصوص المأثورة تفسير هذه الآية بأولئك الذين يعملون في الدنيا وينصبون ولكن في طريق خاطئ فلا يكسبون من عملهم نقيرا ، لأنهم يوالون الطواغيت ، وينصبون لأئمة الهدى ، وتابعيهم « 3 » ، وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أن هؤلاء هم أهل حروراء ، يعني الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : [ تَحْقرونَ صَلاتكُم مَعَ صَلاتهِم ، وصِيَامكُم مَعَ صِيَامِهِم ، وَأَعْمَالَكُم مَعَ أَعْمَالِهم ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة ] « 4 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ج 95 ، ص 95 ، من أدعية السحر في شهر رمضان . ( 2 ) نهج البلاغة : خطبة المتقين . ( 3 ) راجع نور الثقلين : ج 5 ، ص 564 - 563 . ( 4 ) تفسير القرطبي : ج 20 ، ص 28 ، حديث الخوارج مستفيض حتى في الصحاح وغيرها .
من هدى القرآن — صفحة 170 | السيد محمد تقي المدرسي