[ 4 ] ولكن هذه القدرة الهائلة التي تتجلى في الكائنات ليست قدرة ذاتية فيها ، بل هي من عند ربها ، وهكذا تعيش كلها دورة حياتية معينة لا تلبث أن تساق نحو الفناء حسب تقدير ربها ، وإن في ذلك لآية على أن ما بها من قدرة وقوة وحول وطول فهي من عند الله ، وأن ما فيها من نقص وعجز وحد وقيد لشاهد على تعالي بارئها منها ، وأنه قدوس سبحانه بلا نقص ولا عجز ولا حد ولا قيد .
ويضرب القرآن لنا مثلا ظاهرا لهذه الدورة الحياتية السريعة ، ويقول : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى فلقد كانت الأرض حبلى بالمواد التي جعلها الله بالماء وأشعة الشمس نباتا ، فإذا بأديمها يخضر بالعصف والريحان ، ولكن كم يدوم ذلك ؟ ليس إلا أياما معدودة .
[ 5 ] وبعد أيام تتحول الأرض إلى بساط أصفر ، وتتراكم أوراق الشجر وبقايا الحصاد إلى غذاء للأحياء بعد المواسم . وإذا بقت المراعي هكذا وتراكمت عليها طبقات من التراب أصبحت فحما حجريا تنتفع منه الأجيال القادمة . لا شيء من خلق الله يذهب باطلا . أنه يصبح مادة لخلق جديد أو ما ينفع الخلق الجديد . وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى قالوا : أصل كلمة الغثاء زبد السيل وما يتجمع في أطراف المياه من بقايا النبات والقماش ، ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس . أما الأحوى فإنه الأسود ، وإذا تراكم النبات واشتد اخضراره تراءى كأنه سواد ، ومن هنا سميت أرض العراق بأرض السواد . ما هذه القدرة التي تقلب الأرض كيف تشاء ، فحينا تستخرج نباتها ، وآخر تدعها بلقعا تتجمع حولها الغثاء الأحوى ؟ وكما الدورة النباتية السريعة كذلك دورة الحياة عند الإنسان إنها تدور بسرعة فإذا باخضرار الحياة تتحول إلى سواد الموت وهكذا الآخرة هي خير من الأولى لمن بصر وعقل .
[ 6 ] لا تنفصل رسالات الله عن السياق العام لمسيرة الكائنات . إنه الله الذي تشهد الخلائق بقدسه وعظمته يبعث إلينا رسولا ويحمله كتابا وهدى ، فأيتها السماء اخشعي ، ويا أرض قري ، ويا أيها الإنسان استعد لتلقي رسالة الله إليك والتسليم للرسول الكريم . سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى أولم يأتك نبأ حراء حيث هبط الروح جبرائيل على محمد الصادق الأمين فقال له اقرأ . . وتواصلت آيات الله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [ العلق : 1 - 2 ] ، هكذا أقرأ الله نبيه قراءة واضحة مبينة ، فلم تكن وساوس في صدره ، ولا أفكار بقلبه ، ولم تكن حقائق مجردة يعرف بعضها ويجهل الكثير ، كلا . . إنها كلمات واضحة تلقاها الرسول ، ونطق بها بوضوح ، وهذا هو معنى إقراء الله له جملة بجملة وكلمة بكلمة وحرفا بحرف . وحين يكون المقرئ هو الله والمتلقي من اختاره بعلم لحمل رسالته المهيمنة على كل الرسالات فإن الرسول لا ينسى بإذن الله ، ليس لأنه يخرج من حد البشر الذي يجوز له النسيان ، بل لأن ربه أبى أن ينسى ، فالضمانة هنا من عند
من هدى القرآن — صفحة 154
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٤