خلق بصورة مختلفة عن نظيراتها ، ولكنها جميعا تتناغم وكأنها فرقة أنشودة ، من أبعد نجمة إلى أصغر ذرة ، من أضخم شجرة إلى أصغر نبتة ، من الحوت حتى أصغر سمكة ، من الفيل حتى أنعم حشرة ، من العقاب حتى البعوضة . . كلها وكلها قد خلقت بدقة متناهية . هل سمعت نبأ الذرة التي لا ترى ، وكيف بنى الله في عالمها الكبير الصغير مملكة عظيمة ؟ لو قستها بالمجرة التي لا نستطيع أن نتخيل عظمتها لرأيناهما قد خلقتا جميعا بقدر عظيم من الدقة والتنسيق . . . ولكن المجرة هي - في الواقع - مجموعة عظيمة من الذرات ، وهي هي ذات الحقيقة تتجلى مرة في شكل ذرة ومرة في صورة مجرة . . وما بين الذرة والمجرة ملايين الملايين من المخلوقات المتنوعة ، قد خلقها الله خلقا سويا في ذاتها ، وقدر لكل واحد واحد منها هدفا ومسيرة ، وهداها إلى هدفها ومسيرتها ، وكذلك قال ربنا العزيز : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى والخلق قد يكون بمعنى الإنشاء أو الصنع بعد الإنشاء ، وتسويته بمعنى تكميله حتى لا يحتاج إلى شيء لتحقيق ما خلق له إلا وقد أعطاه ، ولا تجد ثغرة في خلق الله تعالى ولا فطورا ، ولا نقصا كبيرا أو صغيرا .
[ 3 ] وقدر لكل خلق من الكائنات جمادا أو نباتا أو حيوانا أو إنسانا هدفا ألزمه به ، وجعله يسعى إليه ، وحدد لكل هدف وسيلة ، ولكل غاية سبيلا ، وهدى كل شيء إلى ما قدر له . . أما الجمادات فقد هداها بما أوجد فيها من قوة وإمكانية ، وبما أوجد فيما حولها من ضغوط ، مثلا : لعل التفاحة لا تدرك لماذا خلقت ؟ ولا تهتدي بذاتها إلى هدفها المتمثل في إغناء جسد الإنسان بما يحتاجه من فيتامين ، وروحه بما تتطلع إليه من جمال وروعة ، ولكن الله جعل التفاحة هذه الخصائص ، وجعل في الإنسان حاجة إليها ، فجعل سعي الإنسان إليها بمثابة سعيها إليه على أننا لا نملك معرفة بما في واقع التفاحة أو أي جماد أو نبات أو حيوان من تحسس .
ولكي تزداد معرفتنا بالله وتسبيحنا له ننقل فيما يلي مقاطع من كتاب ( العلم يدعو للإيمان ) الذي ينقل إلينا الكاتب فيه بعض آيات الله في الطبيعة : [ إن الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن ، فعصفور الهزَّاز الذي عشش ببابك يهاجر جنوبًا إلى الخريف ، ولكنَّه يعود إلى عشِّه القديم في الربيع التالي . وفي شهر سبتمبر تطير أسراب من معظم طيورنا إلى الجنوب ، وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق عرض البحار ، ولكنَّها لا تضلُّ طريقها . . . . والنحلة تجد خليَّتها مهما طمست الريح ، في هبوبها على الأعشاب والأشجار ؛ كلَّ دليلٍ يُرى . . . . ولا بدَّ أنَّ للحشرات الدقيقة عيونًا ميكروسكوبية ( مكبرة ) لا ندري مبلغها من الأحكام . وأنَّ للصقور بصرًا تلسكوبيًّا ( مقربا ) ] « 1 » .
ويضيف : [ إن العاملات من النحل تصنع حجراتٍ مختلفات الأحجام في المشط الذي
هامش
( 1 ) العلم يدعو للإيمان ، لكريسي موريسون : ص 79 - 80 ، الصادر عن دار وحي القلم ، عام 1428 ه / 2007 .