وقد فصّل المفسّرون القول في هذه الكلمة ، وذهب بعضهم مذاهب بعيدة حيث أنّه قال : إنّ المراد بما شاء الله نسيانه هو ما نسخ من الكتاب نصّا وبقي حكمه أو طال النسخ الحكم والنص ( التلاوة ) . ولكنّ الآية لا تدلّ عليه ، ولم يثبت تاريخيّا - بصورة يطمئن القلب - أنّ في القرآن آية منسوخة ( بهذا المعنى من النسخ « 1 » ) ، بل وسياق آيات القرآن وهذه الآية بالذات ينفي ذلك تماماً . كيف ؟ .
يلاحظ على هذا النسخ ( نسخ التلاوة وبقاء الحكم ، نسخهما معا ) :
أولًا : أنّ ما ذكر من الروايات في هذا المضمار أخبار آحاد لا يثبت به كون الآية قرآنية باقية حكمها منسوخة تلاوتها ، أو أن النسخ طال الاثنين .
وقد أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد ، كما أنّ القرآن لا يثبت به . وذلك لأنّ الأُمور الجليلة التي هي محط اهتمام الناس لا تثبت بخبر الواحد ، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على ضعف الحديث .
ثانياً : ما معنى هيمنة الكتاب على ما سواه بما في ذلك السنة ! . فأخبار العرض على
هامش
( 1 ) المعروف أن النسخ ثلاثة أقسام نوجزها بما يلي :
الأول : نسخ التلاوة دون الحكم : ويقصد بهذا النسخ أن تكون هناك آية قرآنية نزلت على الرسول صلى الله عليه وآله ، ثم نسخت تلاوتها ونصها اللفظي مع الاحتفاظ بما تضمنه من أحكام . ومثلوا له برواية عن عمر بن الخطاب وأُبي بن كعب ، انّهما قالا : [ وكان فيما أنزل من القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ] . ) رواه أبو داود في الحدود : ص 16 ، وابن ماجة في الحدود : ص 9 ، ومالك في الحدود : ص 10 وأحمد بن حنبل في مسنده : ج 5 ، ص 183 ) .
وهذه الآية - المزعومة - لم يعد لها وجود بين دفّتي المصحف ولا على ألسنة القرّاء مع أنّ حكمها باق على أحكامه لم ينسخ .
الثاني : نسخ التلاوة والحكم معاً : وينسخ تلاوة الآية ومضمونها . ومثلوا له بمروية عن عائشة انّها قالت : [ كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ، ثمّ نسخن بخمس معلومات ، فتوفّي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وهن فيما يقرأ من القرآن ] . ( صحيح مسلم : ج 4 ، ص 167 ) .
الثالث : نسخ الحكم وبقاء التلاوة : وهو القدر المتيقّن من النسخ ، وتسالم على جوازه علماء الإسلام ، والمراد منه بقاء الآية ثابتة في الكتاب مقروءة عبْر العصور سوى أنّ مضمونها قد نسخ ، فلا يجوز العمل به بعد مجيء الناسخ .
وأمّا عدد الآيات التي ورد عليها النسخ فهناك قولان بين الإفراط والتفريط . فأنهاها أبو جعفر النحاس ( المتوفّى عام 338 ه ) إلى 180 آية في كتابه ( الناسخ والمنسوخ ) المطبوع ، كما أنكر بعض المحققين أصل النسخ في القرآن الكريم خصوصاً بمعنى أن المنسوخ كان قرآنا لأنه يرجع للإبطال . والمعروف هو وجود النسخ في القرآن الكريم بمقدار ضئيل للغاية ، منها آية النجوى ، وآية التربّص إلى الحول ومثل ذلك الذي لا يرجع إلى الإبطال .