تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً تحتوي العلم ولكنه لا ينتفع بها شيئا ، وفي هذا التشبيه دقة بالغة ، فإن حمل الرسالة ليس باقتناء نصوصها في الجيب ورفوف المكتبة أو بجمعها وحملها على الرأس والكتف ، كلا . . وإلا فالحمار أقدر على حمل عدد أكثر ووزن أكبر من أسفار الرسالة ، إنما حمل الرسالة بتطبيقها والالتزام بها في الحياة ، لأنها قيم وليست مادة . ولعل المثل موجه إلى علماء السوء الذين لم يرعوا أمانة العلم والدين ، بل استغلوها في الوصول إلى المصالح الشخصية والشهوات ، لأنهم أبرز مصاديق المحملين لمسؤولية الرسالة ، وليس من أحد يشك في أن الانحراف الذي وصل إليه اليهود ، ولا زالوا مرتكسين فيه ، كان بسبب أدعياء العلم والدين . أوليسوا اليوم يحاربون الإسلام باسم التوراة ؟ أوليسوا ينتهكون حرمة المسجد الأقصى باسم الدين وبفتاوى الأحبار ؟ . أَوَليسوا يمارسون الظلم والإرهاب ضد الناس ؟ .
بلى ؛ فليست التوراة إذن هي التي تملي عليهم ذلك ، لأنها رسالة الله - رسالة الألفة والمحبة والسلام - ؟ إن الله كرم الإنسان على كثير ممن خلق وفضَّله تفضيلا ، ولكن بأي شيء ؟ هل بضخامة جسده وقوته المادية ؟ كلا . . فإن كثيرا من الأحياء أقوى منه جسدا وأكبر ، ولكن إنما كرامة الآدمي بالعقل وباتباع رسالات الله ، فماذا بقي لدعاة التوراة وهم يخالفون هدى العقل ، ويُكذِّبون رسالة الله ، سوى أن يُشبَّهوا بالحمار ؟ .
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وحيث إنها النهج الذي يقود الإنسان إلى الصلاح وقيم الخير ( الهدى ) فقد ضلوا الطريق إلى ذلك ، وتخبطوا في الضلال والظلم ، وقد نظم الشعراء في هذا المجال أبياتاً من الشعر لعل أطرفها قول بعضهم :
إن الرواة على جهل بما حملوا * مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له * ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لماذا اعتبر هؤلاء من الظالمين ؟ يبدو أن السبب أن مثل هؤلاء - تجار الدين وأدعياء العلم - إنما يتركون تطبيق روح الآيات ، ويكذبونها ، ويحرفونها عن مواضعها ، ليحصلوا على دراهم معدودات من المترفين والمستكبرين ، فيلحقون بهم عند الله ، ويعتبرون من الظالمين . ولأن الله لا يهدي الظالمين فإنهم يخرجون من إطار العلماء بالله ، ولا يمكن أن يكونوا سفراء بين الله وعباده المؤمنين ، ولا تكون آراؤهم حجة شرعية ، لأنها تنبعث من وساوس الشيطان وليس من وحي الرحمن ، ومن هنا لا يعتبر الشرع المقدس الفقيه غير العادل فقيها أبدا .