تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ لقد بلغوا من الضلال أبعد مدى حيث اتسموا بالتخلف في جميع شؤونهم ، فمن وأد البنات إلى قتل الأولاد ، وإلى التناحر والتطاحن ، إلى الفقر والمسكنة ، وهكذا كانت حركة الرسالة التي أنقذتهم من تلك الوهدة العميقة حركة من خارج السياق التاريخي لمجتمعهم . ولو كانت مجرد تكامل طبيعي داخلي لما استطاعت القفز بهم إلى تلك القمم السامقة وبتلك السرعة الخيالية . . [ 3 ] من غياهب ذلك التخلف البعيد وذلك الضلال المبين تعالى ذلك الصوت الميمون يدعو العالمين إلى ولادة جديدة ، إلى الانبعاث من ضمير الجاهلية ، إلى حياة الحضور الفاعل ، وسوف تتواصل أمواج الملتحقين بالركب من شعاب الأرض وعلى امتداد التاريخ لأنها ليست دعوة مكية للعرب ، ولا دعوة قريشية لقريش ، ولا دعوة سياسية لذلك العصر . إنها دعوة إلهية تتجاوز الجغرافيا والعنصر والزمن . . إنها دعوة رسول الله رب العالمين إلى الناس كافة . . وسوف تتزود المسيرة الحضارية من القيم التي جاءت بها ، وتظل تأخذ بيد الإنسانية نحو الهدى والخير ، كما تتزود من الخط الرسالي والقيادة الشرعية التي تشكل الامتداد الحقيقي للرسول قيادة وذكرا ، وهو لا ينقطع في كل زمان وجيل ، حيث لا تخلو الأرض من حجة إلهية ، ولذلك يبقى الالتحاق بمدرسة النبي صلى الله عليه وآله مركبه مستمرا مدى الحياة . تنتشر رسالته وتتوسع أمته بين الناس . وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ من هم الآخرون الذين يُتوقع التحاقهم بركب الرسالة ؟ . قالوا : [ إنهم سائر العرب الذين آمنوا من بعد ] . وجاء في حديث مستفيض مأثور عن رسول الله أنهم قوم سلمان الفارسي . . الحديث يقول : عن أبي هريرة قال : [ كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله إذ نزلت عليه سورة الجمعة ، فلما قرأ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ . . قال رجل : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُوْلُ الله ؟ فَلمْ يُرْاجِعْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله حَتْى سَألَهُ مَرةً أَوَ مَرتَيِنِ أَوَ ثَلاثْاً ، قَالَ : وَفِيْنَا سَلَمْانُ الفَارِسْيّ ، قَالَ : فَوَضَعَ النَّبِيَّ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ، ثُمْ قَالَ : لَوْ كَانَ الإِيْمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ » « 1 » . وجاء في حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وآله : « إِنَّ في أَصْلَابِ أُمَّتِي رِجَالًا وَنِساءً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 18 ص 93 . ( 2 ) تفسير القرطبي : ج 18 ص 93 ، الدر المنثور : ج 6 ص 215 .