تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
الحقيقة أنه انتقص من عمره هذا القدر . ثم هل ينتهي بالبشر المطاف عند الموت حتى يطلق لنفسه العنان ، ويسير في الحياة حيث يريد ؟ ! إنما الموت قنطرة إلى الحساب والجزاء ، والمحاسب هو الله الذي لا يخفى عليه شيء ، أما الحياة الدنيا فإنها ليست حياة اللهو واللعب ، إنما هي عرصة المسؤولية والالتزام أمام الله بما يأمر به وينهى عنه . ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وحري بالإنسان الذي يواجه تحدي الزمن والموت أن يتسلح بالإيمان والعمل ، لأنهما الطريق الوحيد لانتهاز فرصة العمر ، وإذا كان البشر عاجزا عن الفرار من الموت فهو لا ريب قادر على اختيار العاقبة الحسنى بالعمل الصالح ، الذي هو سفينة النجاة والميزان الأوحد عند الله ، لا الحسب والنسب أو الانتماء الظاهر . [ 9 ] وهكذا مهد الله - بالآية السابقة - للحديث عن الجمعة واعتبارها عيداً للأمة ، ويؤكد استقلالها في شعائرها بالإضافة إلى استقلالها في رسالتها عن الأمم الأخرى ، كالنصاري واليهود الذين لهم رسالتهم ( التوراة والإنجيل ) وعيدهم ( السبت والأحد ) « 1 » ، ويعطي القرآن في هذه السورة صلاة الجمعة ويومها الموقع والمفهوم الحقيقي في منهج الإسلام ، فالجمعة على الصعيد الخارجي رمز الاستقلال وعلى الصعيد الداخلي رمز الوحدة والائتلاف . ومن هذه الحيثيات وأخرى غيرها تأتي الدعوة الإلهية بالسعي لصلاة الجمعة وترك كل ما سواها لهوا أو بيعا أو ما أشبه من شؤون الدنيا ، وهكذا أصبح السعي إلى الجمعة لدى بعض المسلمين ( مذاهب وعلماء ) أمرا مفروضا بإجماع الأمة عند توافر شروطها ، وجاء في كتاب من لا يحضره الفقيه مروياً : « أَنَّهُ كَانَ بِالمَدِينَةِ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ نَادَى مُنَادٍ حُرِّمَ البَيْعُ لِقَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ] « 2 » . وقال الإمام الباقر عليه السلام يصف اهتمام الرعيل الأول من المسلمين بالجمعة : « واللهِ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله كَانُوا يَتَجَهَّزُونَ لِلْجُمُعَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ » « 3 » ، وعن جابر بن عبد الله قال : [ أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله الجُمُعَةَ فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَيْهَا فَمَا بَقِيَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَنَا فِيهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ] « 4 » ، وقال الحسن أبو مالك : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام ، والنبي صلى الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة ، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه ، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا رهط ، فنزلت الآية ،
هامش
( 1 ) وهناك إشارات لهذه الفكرة في الأخبار : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا تَهَيَّأَ أَحَدُكُمْ لِلْجُمُعَةِ عَشِيَّةَ الخَمِيسِ كَمَا تَتَهَيَّأُ اليَهُودُ عَشِيَّةَ الجُمُعَةِ لِسَبْتِهِمْ ؟ » مستدرك الوسائل : ج 6 ، ص 43 . ( 2 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ، ص 299 . ( 3 ) الكافي : ج 3 ، ص 415 . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 22 ، ص 59 .