الدنيا وحب البقاء ، ومن جانب آخر تُكَرِّه لهم لقاء الله والآخرة . وإذا استطاعوا أن يخدعوا الناس بأنهم أولياء لله ويخفوا حقيقتهم عنهم فإنهم لن يخدعوا الله أبداً .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وإذا كانت هذه الصفة تصدق في سائر اليهود المنحرفين عن التوراة فإنها أصدق في أحبارهم الذين كانوا متشبثين بالحياة ؛ وأية حياة ، وفي مقابل أي ثمن ؟ . حياة الذل والتبعية والمهانة ، وبثمن فقدان دينهم وعزتهم ، وربما راحتهم . وأعوذ بالله عندما يصبح العالم جبانا ، فإنه لا يجعل نفسه فقط تابعا ذليلا للجبارين ، بل وأيضا يجعل من أتباعه مجموعة ذليلة وخاضعة لكل حاكم ظالم ، ويرسم خطًّا انهزاميًّا تبريريًّا في واقع المجتمع بما يبثه من أفكار سلبية وبما يحرفه من نصوص دينية .
وهذه السنة جرت في علماء اليهود والنصارى وفي بعض علماء المسلمين الذين ما زالوا متسكعين على أبواب الملوك سرًّا وعلناً ، يؤيدون جرائمهم ، ويكيلون لهم سيل الفتاوى الكاذبة أنى شاؤوا ، ويزورون إرادة الجماهير ، ويحرفون نصوص الدين . إنهم بحق قُطَّاع طريق الله « 1 » ، كما جاء في حديث قدسي ، وإن خطرهم على الإسلام أشد من خطر ألف سيف وألف بندقية ، هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ المنافقون : 4 ] . وليعلم هؤلاء أنهم مهما خدعوا الناس أو أنفسهم فإن الله عليم بهم ، وسيقدمهم للحساب حسب علمه سبحانه لا حسب خداعهم أو التباسهم ، وسيلقيهم في الجحيم وهم مهانون .
[ 8 ] قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ وفي الخبر خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الناس فقال :
« أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ فِي فِرَارِهِ مَا مِنْهُ يَفِرُّ والأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ إِلَيْهِ والهَرَبَ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ »
« 2 » ، وقال الصادق عليه السلام :
« تَعُدُّ السِّنِينَ ثُمَّ تَعُدُّ الشُّهُورَ ثُمَّ تَعُدُّ الأَيَّامَ ثُمَّ تَعُدُّ السَّاعَاتِ ثُمَّ تَعُدُّ النَّفَسَ ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ »
« 3 » .
وهكذا الإنسان وكل حي لعلى موعد مع الموت ، وإنما العمر مطية تحث بنا الخطا نحو ميعادنا المصيري ، وإن كل لحظة تمر بنا لهي تنتقص من أجلنا بقدرها ، فعلينا ألَّا نحسب تقادم الأيام طولا في أعمارنا ، فنقول مثلا : فلان طويل العمر عمره سبعون عاما أو ثمانون ، وإنما
هامش
( 1 ) من وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام :
« يَا هِشَامُ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ عليه السلام قُلْ لِعِبَادِي لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّهُمْ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي وَمُنَاجَاتِي أُولَئِكَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مِنْ عِبَادِي »
بحار الأنوار : ج 75 ، ص 313 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 366 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 6 ، ص 145 .