تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
[ 6 - 7 ] ولقد تورط اليهود في التكذيب والظلم بالآيات فكانوا مصداق مثل الله فيهم : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ، ولكنهم سعوا للاحتفاظ بعلاقة ظاهرية مع رسالة الله ليستغلوا السذج من الناس باسمها ، فزعموا أن الدين حكرا عليهم ، وأنهم وحدهم يمثلون الشرعية الدينية ، وأن من يجرؤ على الكلام في فضائحهم إنما هو مارق يجب قتله ، فهم من دون الناس شعب الله المختار ، بيد أن القرآن يضعهم أمام محك وجداني ليفضح مزاعمهم ، بامتحانهم من خلال أعمق الصفات تجذرا في نفوسهم ألا وهي حب الحياة والبقاء ، وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [ البقرة : 96 ] . قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ . والسؤال : هل يصلح هذا التحدي محكًّا لمعرفة صدقهم أو عدمه ، فهب أنهم سألوا الله الموت فهل يثبت ذلك أنهم أولياء الله ؟ ونجيب أن هذا التحدي يحمل على ثلاثة معانٍ : الأول : أن اليهود الذين باهلهم الرسول صلى الله عليه وآله يومئذ كانوا يموتون ، لو تمنوا الموت تلك اللحظة ، قال رسول الله : « لَوْ تَمَنَّوْا لَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ » « 1 » . الثاني : أن أولياء الله بصدق يموتون لو طلبوا منه تعالى لقاءه بالموت لثقل دعائهم في ميزانه عز وجل . الثالث : أن التمني هنا مقياس من زاويته الوجدانية ، وليس مجرد الحديث عنه ، ف يحين أن اليهود أُشبعوا في قلوبهم حب الدنيا وحب البقاء بحيث لم يكن يتمنى أحدهم الموت أبدا ، وذلك بسبب كفرهم بالآخرة وعلَّمهم أنهم لا يملكون فيها شيئا ، وهذا مقياس يميِّز أولياء الله من غيرهم ، فإنه مكتوب في التوراة : « أَوْلِيَاءُ الله يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ » « 2 » ، وفي الخبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ مَا لَنَا نَكْرَهُ المَوْتَ فَقَالَ : لِأَنَّكُمْ عَمَرْتُمُ الدُّنْيَا وأَخْرَبْتُمُ الآخِرَةَ فَتَكْرَهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِنْ عُمْرَانٍ إِلَى خَرَابٍ » « 3 » ، أما الأولياء الذين عمروا آخرتهم فهم يحبون الانتقال إليها ، وليس اليهود كذلك . وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وكيف يتمنون الموت وهو الجسر الموصل إلى لقاء الله والجزاء من عنده وقد قدموا الخطايا والذنوب . إن أعمالهم وأفكارهم تؤكد فيهم حب
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 9 ، ص 163 . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 366 ، بحار الأنوار : ج 6 ، ص 125 . ( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 458 .