مِنْ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ إِلَّا كَانَ خَرَاباً ، أَلا تَفَقَّهُوا وَتَعَلَّمُوا وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالا »
« 1 » .
وفي تفسير آخر مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام :
« وَالحِكْمَةُ هِيَ : الثَّبَاتُ ، وَصِفَةُ الحَكِيمِ الثَّبَاتُ عِنْدَ أَوَائِلِ الأُمُورِ وَالوُقُوفُ عِنْدَ عَوَاقِبِهَا ، وَهُوَ هَادِي خَلْقِ الله إِلَى الله تَعَالَى »
« 2 » .
وتكاد كلمات المفسرين في الحكمة تكون واحدة ، فقد فسرها مالك بن أنس : [ أنها الفقه في الدين ] ، وقال بعضهم : [ ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور ، ويحسنون التقدير ، وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل ] ، وقال آخر : [ الكتاب : الوحي ، والحكمة : العقل ] ، وقال آخر : [ إن الحكمة هي العلم الذي يعمل به فيما يُجتبى أو يُجتنب من أمور الدين والدنيا ] . .
وهكذا تتواصل تفسيراتهم للحكمة لتوضح أنها بلوغ مستوى من علم الدين يمكِّن الإنسان من معرفة متغيرات الشرائع وهو الفقه .
بلى ؛ لا يمكن فقه الإسلام بعمق من دون فقه الزمن ، لأن حكم الله يختلف من حادثة لأخرى وواقعة وثانية ، وإنما أصبح الفقهاء مرجعا لأحكام الدين لأنهم يعرفون الدين ، ويعرفون شروط الزمن ومتغيرات الحوادث ، فيستنبطون أحكامها منه ، ولذلك جاء في الحديث الشريف :
« وأَمَّا الحَوَادِثُ الوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا »
« 3 » .
وهكذا كانت الحكمة هي العقل المزكَّى بالدين ، وهي لا تتأتى عادة إلا بعد الإلمام بسائر أحكام الشريعة وقيم الوحي .
ولأن القرآن آخر رسالة بعثها الرب إلى عباده ، وهي التي تستمر حتى قيام الساعة برغم تطور الظروف ، فإن البشرية احتاجت إلى الحكمة المرتكزة في أئمة الدين لملاحقة المتغيرات .
وهكذا دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث في العرب مَنْ يعلمهم الحكمة والكتاب ، فقال هو وابنه إسماعيل : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 129 ] ، واستجاب الله لإبراهيم وبعث النبي محمداً إلى أولئك الأميين فجعلهم الله به في مستوى رفيع ، حتى قال الرسول في بعضهم صلى الله عليه وآله :
« عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَادُوا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الحِكْمَةِ أَنْبِيَاءَ »
« 4 » .
هامش
( 1 ) نور الثقلين : ج 1 ، ص 287 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 215 .
( 3 ) وسائل الشيعة : ج 27 ، ص 140 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ، ص 52 .