[ 5 ] إن شرط الانتصار أن يكون القتال صفًّا واحداً ، وشرط الصف أن يكون القتال تحت راية القيادة الرسالية ، وإنما يكون للقيادة اعتبارها العملي حينما يسلم لها المجتمع ، لذلك فإن أعظم ما يمكن أن يلحق القيادة من الأذى هو عدم الطاعة لها ، وهذا ما لقيه نبي الله موسى من قومه ، وهم يعلمون أن نبيهم هو صاحب الولاية الشرعية من عند الله سبحانه وأن طاعته مفروضة عليهم .
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وهذا التناقض بين علم بني إسرائيل بضرورة التسليم للرسول ، وبين موقفهم الفعلي حيث العصيان والأذى ، هو صورة للازدواجية التي يمقتها الله عز وجل وقد حذر الله المسلمين منها ، ولعل أوضح صورة لها تتمثل في قصة البقرة . وقد حذرهم موسى عليه السلام من عواقب هذا الانحراف لكنهم أصروا واستمروا فسلبهم الله الهدى .
فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وهذه نتيجة طبيعية لعصيان القيادة الرسالية ، ذلك أن هدى الله يتجلى للناس عبر أوليائه والذي يحاربهم أو لا يسلم لهم لن يهديه الله أبدا . وإزاغة القلب تعكس مدى الضلال الذي وقعوا فيه ، فهم في بادئ الأمر آذوه ولكن بقي في قلبهم علم بكونه رسول الله ، أي أن سلوكهم العملي منحرف وهم على شيء من الهدى معنويَّا ، ولكنهم حينما أصروا على الزيغ سلبهم الله تمام الهدى ، وانطفأت البقية الباقية من شعلة الإيمان في قلوبهم ، فصاروا كليًّا على الضلال والفسق .
[ 6 ] ويؤكد القرآن حقيقة الخط الواحد في رسالات الأنبياء على لسان نبي الله عيسى بن مريم عليهما السلام ، الذي أعلن لبني إسرائيل أنه يشكل امتدادا لرسالات الأنبياء ، فقد سبقه موسى وسوف يلحقه محمد صلى الله عليه وآله ، فهم صف واحد . وهكذا ينبغي أن تلتحم مسيرة المؤمنين بهم ، ويجتمعوا تحت راية النبوة وقيادة من يحمل تلك الراية .
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ إذن ليس هناك أي تناقض بين الرسالات والقيادات الإلهية ، إنما يكمل بعضها بعضا ، فعيسى عليه السلام مصداق للقيم التي جاءت بها التوراة ، ورسالته مصدقة لها ، ولكن لا تعني التوراة تلك التي بين أيدي الناس اليوم فإنها محرَّفة ، وقد لعبت بها أهواء اليهود الذين سرَّبوا إليها الثقافة العنصرية .
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وأحمد على صيغة أفعل فهو أحمد لله من سواه ، قالوا : الأنبياء كلهم حامدون لله ، ونبينا محمد أكثرهم حمدا ، وقد نقلت الكلمة من صيغة ( أفعل للتفضيل ) إلى الاسم .
وبالرغم من أن يد التحريف امتدت إلى العهدين المقدسين عند اليهود والنصارى إلا أن
من هدى القرآن — صفحة 441
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٤١