تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
واليمين الكاذب . وإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تعود إلى عزها ومجدها ، وتبني حضارتها ، فلا بد أن تردم الفجوة بين ما تقول وما تفعل ، بأن تنعكس قيمها على مجمل حياتها . ولا شك أن مقت الله لمن يقول ما لا يفعل يزداد كلما عظم الأمر الذي ينقض فيه كلامه وعهده ، وحيث إن عهد المؤمن بالتسليم للقيادة الرسالية هو أكبر المواثيق في الحياة بعد التوحيد فإنه يكون عرضة لأشد ألوان المقت الإلهي عند نقضه العهد معها . فلا غرابة إذن أن نقرأ تأويلًا لهذه الآية في غدير خم ، لأنه أعظم المواثيق التي أخذها الله ورسوله صلى الله عليه وآله على المؤمنين إلى يوم القيامة . والآية تعم كل مصداق للقول دون العمل به كالمواعيد ، قال الإمام الصادق عليه السلام : « عِدَةُ المُؤْمِنِ أَخَاهُ نَذْرٌ لَا كَفَّارَةَ لَهُ ، فَمَنْ أَخْلَفَ فَبِخُلْفِ الله بَدَأَ ولِمَقْتِهِ تَعَرَّضَ ، وذَلِكَ قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ] « 1 » . [ 4 ] وهناك مثل أجلى للفجوة بين القول والفعل نجده في قضية القتال في سبيل الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كل من يفي بوعده ، ويقف عند كلمته ، ولكن عندما تكون كلمة المؤمن في القتال من أجل الله ، ثم يفي بها وفاء تاماً وكاملًا ( بالقتال ضمن شروطه الشرعية ) فإنه آنئذ فرداً وجماعة وأمة يكون موضع حب الله بصورة خاصة ، وحب الله يعني توفيقه وكرامته لأهل حبه في الدنيا والآخرة ونصره لهم . الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ وليس الذين يرفعون شعارات الجهاد وحسب . والقتال ( الجهاد ) قمة العمل الصالح حيث يعرض المؤمن نفسه لألوان المخاطر في سبيل ربه . ثم إن أحباء الله لا يقاتلون ليبلغوا مصالحهم وشهواتهم المادية ، إنما يجاهدون مخلصين في إطار الحق ولتحقيق أهدافه النبيلة متمحضين لذلك ، فلا ترى بينهم أدنى حقد ضد بعضهم ، ولا ثغرة في جبهتهم الواحدة ، إنما يقفون كما يصفهم الله : صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ فوحدتهم ظاهرة كالبنيان المتصل ببعضه ، وهي حقيقية لأنها متينة في الواقع ، فليست كأي بناء إنما كالبنيان المتماسك تماسكا متينا ، وقيل : كالبنيان المبني بالرصاص . ولا تعني هذه الآية أنه لا يوجد أي اختلاف بين المؤمنين ، لأن الخلاف طبيعي ، ولكنه لا يتحول إلى صراع بينهم ، ثم إنه يتلاشى عند ظروف التحدي فتراهم جميعا ينصهرون في بوتقة الوحدة لتصبح الجهود والطوائف والجماعات كلها أمة واحدة لا يجد الأعداء فيها ثغرة ينفذون منها . ويحث المؤمنين على التوحد صفًّا واحداً في القتال علمهم بمدى أثر عامل الوحدة واجتماع الجهود في ترجيح ميزان الصراع لمصلحة الحق . وليس من شيء يوحد الناس كما يوحدهم الوحي والإمام العامل به إذا سلَّموا لهما ، وهكذا يحدثنا السياق فيما يلي عن ثلاثة من أعظم أنبياء الله عليهم السلام .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 363 .