البداية كان الكلام عن الأذى الذي لقيه كليم الله من قومه ، وربما كان ذلك الأذى متمثلا في رفضهم لأخيه ووصيه هارون عليهما السلام لما استخلفه وذهب إلى مناجاة ربه ، ثم عبادتهم للعجل رمز القيادة المنحرفة في المجتمع آنذاك ، كما أن عيسى عليه السلام بشَّر بقيادة الرسول صلى الله عليه وآله ولكن الكفار والمشركين من الناس رفضوا التسليم له ، ثم إن القرآن يؤكد أن الله سوف يُتِمُّ نوره رغما على الكفار والمشركين الذين يسعون لإطفائه . ولا ريب أن القيادة الرسالية مشكاة نور الله ووحيه ، والتي لا يحصل الإنسان على الكمال الإلهي إلا بالتسليم لها .
بينات من الآيات :
[ 8 - 9 ] يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ والنور لا يطفئه نفخ الإنسان عليه ، فكيف إذا كان ينبعث من عند مليك السماوات والأرض . وهذا التعبير من بلاغة القرآن وبديعه في تقريب المعنى إلى ذهن المتدبر . وكلمة الأفواه يستخدمها القرآن للدلالة على الكلمات الكاذبة التي لا تنطلق من القلب ولا تملك رصيدا من الواقع ، كالثقافات الجاهلية والدعايات المضللة التي تبثها أجهزة الإعلام الطاغوتية ضد الحق ورموزه وأتباعه .
وقد اختلفت أقوال المفسرين في بيان مصداق النور الإلهي ، فقال بعضهم : إنه الرسالة المتمثلة في القرآن وسائر كتب الله ، وقال آخرون : إنه الرسول صلى الله عليه وآله ، كما أوَّلته بعض روايات أهل البيت عليهم السلام في الإمامة وصاحب الأمر عليه السلام ، والذي يظهر لي أن الحقائق الكبرى تتواصل فيما بينها ، فمثلا العقيدة بالتوحيد مبعث للعقيدة بالعدل ، وهذه تبعثنا نحو الإيمان بالآخرة ، وكل هذه الحقائق تتركز في الإيمان بالولاية ، وهكذا يحدثنا الكتاب عن الحقائق الكبرى بلا فصل بينها ولا تمييز ، مما نجد لها أكثر من مصداق ، فمثلا عندما يأتي في القرآن ذكر لحبل الله أو نور الله فإننا نجد له أكثر من مصداق ، فحبله كتابه ، وكذلك القيادة التي تمثل امتداده في المجتمع ، لا ينفصل أحدهما عن الآخر ، ولا يؤدي دوره العملي بتمامه من دونه ، وهكذا فسَّرنا قوله سبحانه : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [ آل عمران : 103 ] ، بأنه الوحي الإلهي والقيادة التي تمثله ، وهكذا أوضح الرسول صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين :
« . . كِتَابَ الله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْض . . . »
« 1 » ، وكذلك هنا لا يوجد أي تعارض بين أقوال المفسرين ، فنور الله واحد ولكن له تجليات عديدة ، فهو يتجلى في كتابه كما يتجلى في الرسول وفي الإمام الذي يخلفه ، حسب ما مر في تفسير آية النور « 2 » .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 27 ، ص 33 .
( 2 ) هنالك تجد بياناً للعلاقة بين قوله تعالى : * اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وبين قوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ . . . [ الآيات : 36 - 35 ] .