تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
شيئا ولا ينقصه عدمه أمراً ! لأنه لم يزل عزيزاً حكيماً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تتجلى عزته وحكمته على مسرح الخلائق كلها ، وفي ساحات الجهاد بالذات ، ذلك أن نصره العزيز للمؤمنين به مظهر لعزته ، أما حكمته فإنها تتجلى حين لا ينصر إلا من نصره واتبع نهجه . [ 2 ] وينهر السياق المؤمنين عن صفة من صفات النفاق ألا وهي الطلاق بين القول والعمل ، وقد تساءل بعض المفسرين : كيف تخاطب المؤمنين وتنهرهم عن الازدواجية في النفاق ؟ أوليسوا مؤمنين وتلك الحالة من صفات المنافقين ؟ ! . بلى ؛ بيد أن المؤمن لو لم يكن حذرا وقع في حفرة من حفر النفاق ، وباستثناء الكاملين يحمل كل فرد ( وحتى المؤمنين ) بعض صفات النفاق ، كالخلف ، والكذب ، وإذا ما بلغ الأمر إلى حد سيطرة هذه الصفات على مجمل حياته لحق بالمنافقين ، وقبلئذ يبقى المؤمن يجاهد نفسه لتطهيرها من صفات النفاق جميعا . والتناقض بين القول والفعل ، بين الشعار والواقع ، هو من أسوأ ما يتورط فيه المؤمن ، لأن ذلك يضعف شخصيته في المجتمع ، وثقة الآخرين به ، بل وثقته بنفسه أيضا ، لذلك حذر لله منه فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ وكان هذا بعد واقعة بدر حيث عَمَّق النبي صلى الله عليه وآله حب الشهادة فيمن حوله ، وبَيِّن مناقب الشهداء ومنازلهم في الجنة ، فتمنى الشهادة بعض المسلمين - الذين لم يحسنوا إلا التمني - وقالوا : لو هَيَّأ الله لنا قتالا نُفرغ وسعنا فيه ، ونبذل أرواحنا وأموالنا في سبيل الله ، فنحصل على مراتب المجاهدين والشهداء ، وسرعان ما حدثت واقعة أحد ، فلم يفوا بما قالوا ، إنما انهزموا وتركوا النبي في الميدان ، فنزلت حينها هذه الآيات الكريمة . ولعلنا نهتدي من الآية اللاحقة إلى أن بلوغ الإنسان درجة الاتحاد بين القول والفعل من أعلى رتب الإيمان ، ومن أصعب الأعمال ، وذلك يحتاج إلى سعي عظيم ومستمر . والجهاد الذي تحدثنا الآيات التالية عنه وترغِّبنا فيه من أبرز مصاديق هذا السعي ، وبالذات إذا كان تحت راية الوحدة . [ 3 ] وما أعظمها سيئة عند الله أن يقول المؤمن ما لا يفعل ، بلى ؛ لو صدر ذلك من المنافق فهو من طبعه ، أما أن يدعي أحد الإيمان ثم يتلبس صفات النفاق فإنه يضع نفسه هدفاً لمقت الله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ قال الراغب : [ المقت البغض الشديد لمن تراه تعاطى القبيح ] « 1 » ، ويقابله الحب ، ويبدو لي أنه البغض المقارن للاحتقار ، ولا ريب أن الذين لا يحترمون كلمتهم وعهودهم ومواعيدهم و . . . يتخلفون ويذلون وتحتقرهم الدنيا ، بل ويحتقرون أنفسهم . وهل تتخلف الأمم إلا بالعهود المنقوضة واختلاف القول عن العمل ؟ ! ونحن ينبغي أن نبحث عن جذور تخلفنا ، وأسباب انحطاطنا على ضوء هذه الآية الكريمة ، والتي لا ريب نجدها في التمني البعيد عن العمل ، والقول المجرد عن السعي ، والعهد المنقوض ، والوعد المُخْلَف ،
هامش
( 1 ) مفردات غريب القرآن : باب المقت ، ص 470 .