والْجَبَّارُ اسم من الجبر ، وهو القهر والسلطة ، وإذا أطلق على عباد الله كان ذمًّا ، لأن الحاكمية المطلقة لله ، أما خلقه فخير صفاتهم الالتزام بحاكمية الله ، أما إذا قهروا الناس فقد اعتدوا عليهم ، ونازعوا الله سلطانه . وقيل : إن معنى الجبار الذي يجبر الكسير ، ويبدو أن المعنى الأول أظهر .
ثامناً : وليست صفة الجبار كامنة عند الله ، ولكنها تتجلى في تكبره حيث لا يدع أحدا يعتدي على سلطانه إلا بقدر ما تقتضيه حكمة الابتلاء ، فهو الْمُتَكَبِّرُ ، ولذلك جاء في الحديث القدسي المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
« يَقُولُ اللهُ : الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي والعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي نَارِي »
« 1 » . وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :
« والكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ نَازَعَهُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ أَكَبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ »
« 2 » .
هذه هي أسماء الله التي لو تدبر فيها الإنسان وتفتح قلبه على نورها ازداد إيمانا بربه وعرفانا : الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ فهل في خلقه أحد يمكن أن يدعي هذه الأسماء ، حتى يكون شريكا له في ملكه ؟ كلا . . سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هل أنبئت عن إله مثل رب العزة في أسمائه الحسنى يشرك به ؟ كلا . . إنما هم مخلوقون مربوبون عاجزون محدودون فأنى يذهبون ؟ ! ترى بعضهم يعبد بقرة ، والآخر يعبد طاغوتا ، هو أقل شأنا من البقرة ؟ والثالث يعبد صنما أصم . أفلا يعقلون ؟ ! حقًّا ! إن الذين يشركون بربهم لا يعرفون الله بأسمائه وصفاته ، ولو عرفوا شيئا منها لأدركوا تفاهة من يشركون به ربهم وسفاهة عقول من يشرك .
وقد جاء في الأثر المروي عن الإمام علي عليه السلام في معنى وفضيلة ( سبحان الله ) أنه [ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَا تَفْسِيرُ سُبْحَانَ الله ؟ قَالَ : إِنَّ فِي هَذَا الحَائِطِ رَجُلًا كَانَ إِذَا سُئِلَ أَنْبَأَ وإِذَا سَكَتَّ ابْتَدَأَ فَدَخَلَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَقَالَ : يَا أَبَا الحَسَنِ مَا تَفْسِيرُ سُبْحَانَ الله ؟ قَالَ :
هُوَ تَعْظِيمُ جَلَالِ الله عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهُهُ عَمَّا قَالَ فِيهِ كُلُّ مُشْرِكٍ فَإِذَا قَالَهُ العَبْدُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ »
« 3 » .
[ 24 ] ذكَّرت الآية المتقدمة بصفات الله ، ويبدو أن هذه الآية تذكر بأفعاله الحميدة ، وتلك الأسماء المشتقة منها .
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 12 ص 31 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 515 .
( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 5 ، ص 322 .