تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
أولًا : أنه الْمَلِكُ يملك ناصية القدرة في كل شيء ، فلا حول لشيء ولا قوة له إلا به ، ولا يقع حدث إلا في دائرة علمه وقدرته ، وله مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو . . تصور نملة صغيرة في غابة واسعة تنتقل في ليلة ظلماء من موقع لآخر ، يعلم الله بسرها وهدفها ، وحركة الروح بين أضلعها ، ووساوس الشهوة في قلبها ، وانبعاث الغرائز في نفسها . . يعلم كل ذلك ويحيط بها ملكوته . إن الله يملك حركة الأشياء ، ويملك ذاتها ، فله ملكوت السماوات والأرض ، تعالى ربنا وعظم ملكه . أنه ملك لا يزول ملكه ، ولا تحدده الحدود الجغرافية ، ولا تقيده المعادلات الكونية . هل سمعت قصة المأمون العباسي عندما دنت منه الوفاة كيف أشرف على معسكره العريض ، وتنفس الصعداء ، وقال : يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه ؟ ! هكذا قهر ربنا الجبار عباده بالموت والفناء ، حتى وضع الملوك على رقابهم نير العبودية فهم من سطواته مشفقون ، ومن عزته خائفون . ثانياً : للقدرة حين تكون عند البشر سكرها ، وسكر القدرة أعظم من أي سكر ، وحين تلعب برأس المقتدرين خمرة القدرة يفسقون عن حدود المشروع ، وينسابون في الأرض انسياب الأفعى يزرعون السم والموت ، وقد قال ربنا سبحانه : كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [ العلق : 6 - 7 ] وقال سبحانه : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [ محمد : 22 ] ولكن ربنا سبحانه قدوس منزه عن الظلم والحيف ، والقدوس يعني الطاهر ، وسمي الدلو عند أهل الحجاز ب - ( القُدَس ) لأنه يتطهر به . ولعل معنى القدوس : أنه سبحانه طاهر بذاته ، ومُطهِّر لغيره ، كما نقول في قيوم : أن معناه القائم بذاته الذي تقوم به الأشياء . ثالثاً : ومن تجليات اسم القدوس أنه سلام ، فهو لا يعتدي على أهل مملكته ، ولا يؤاخذ أهل الأرض بألوان العذاب ، أما إذا التجأ إليه العبد فإنه يجد دار السلام ، حيث يحيطه من فضله بسكينة في قلبه يمنحه بها سلامة من وساوس الشيطان ، وسلامة من همزاته ودفعاته ، وسلامة من الخوف والقلق والتردد ، وسلامة من الحقد والحسد وظن السوء ، ويحيطه من فضله بعافية في حياته وسلام من الأخطار ، إلا حسب ما تقتضيه حكمته من ابتلائه وفتنته ، ويرجِّيه من فضله بعاقبة حسنى ، فيها كل أمنة وسلام . وهكذا جاء في الدعاء : « اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ومِنْكَ السَّلَامُ ولَكَ السَّلَامُ وإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ » « 1 » . رابعاً : ويشتق من السلام اسم الْمُؤْمِنُ حيث يؤمن من التجأ إليه من شر نفسه وشر الشيطان وشر كل ذي شر هو آخذ بناصيته . ولولا الأمان الذي وفَّره رب الرحمة والقدرة لهذا
هامش
( 1 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ، ص 322 .
من هدى القرآن — صفحة 400 | السيد محمد تقي المدرسي