تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
الإنسان - ولكل الخلائق - كيف كان بنمو هذا المخلوق الضعيف عبر الأطوار المتلاحقة من حيث كان نطفة من مني يمنى ، حتى خلقه في رحم أمه علقة فمضغة فعظاماً ، حتى جعله خلقاً سويًّا ، وإلى أن أحاطه برعاية أمه وعناية أبيه ، ووفر له الحماية بالحفظة الذين ساقهم بين يديه ومن خلفه حتى قال ربنا سبحانه : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [ الطارق : 4 ] وهذا أقرب معنى لكلمة الْمُؤْمِنُ ، وقد استشهدوا عليه بقول النابغة :
والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسلم
أي قسما بالذي أعطى الأمان للطيور التي عاذت بالبيت الحرام فإذا بالحجيج يمسحون عليها بين غابات الشوك وكثبان الرمل . وقال بعضهم : إن معنى الْمُؤْمِنُ : أنه سبحانه شهد أنه لا إله إلا هو ، وروي عن ابن عباس قوله : [ إذا كان يوم القيامة أُخرج أهل التوحيد من النار ، وأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي حتى إذا لم يبق فيها من يوافق اسمه اسم نبي قال الله تعالى لباقيهم : [ أنتم المسلمون وأنا السلام ، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن ] فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين ] « 1 » . خامساً : ولكن هل يؤمن الناس من الشرور إلا المليك المقتدر الذي استوى على عرش القدرة تماما ؟ كذلك ربنا سبحانه فهو الْمُهَيْمِنُ الحفيظ الرقيب ، الذي لا يضيع عنده أحد . وقد قالوا في معنى الْمُهَيْمِنُ : إنه الأمين ، وقيل : الشاهد ، وقيل : هو المؤمن في المعنى ، لأن أصل اللفظ المؤيمن ، إلا أنه أشد مبالغة في الصفة ، وقيل : هو الرقيب على الشيء ، يقال : هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبا على الشيء « 2 » . ويبدو أن أصل معنى المهيمن المسيطر ، وأن سائر المعاني مشتقة منه ، فإن من سيطر كان رقيبا وشاهدا وحفيظا . . سادساً : وهيمنة الله على الخليقة بلا معارض أنه يَقْهَر ولا يُقْهَر ، ويَسْأَل ولا يُسْأَل ، ويُجير ولا يُجار عليه ، وهو المنيع الذي لا يرام ، وهو شديد المحال . . وكل هذا ينبئ عن عزته ، وهي غاية الهيمنة ، كما أن في الهيمنة كمال الإيمان ، والإيمان قمة السلام . سابعاً : هل تريد أن ترى تجليًّا لاسم الْعَزِيزُ ؟ انظر إلى جبروت الخالق ، وكيف أنه قهر خلقه بما ألزمهم من سننه ، فهم لا يخرجون عن الحد الذي رسم لهم إلا بما شاء ، فلا يملك أحد يوم ولادته ولا ساعة وفاته ، ولا ما قُدِّر له من رزق ، ولا ما سُيِّر عبره من قضاء . . إنه الله الْجَبَّارُ .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 18 ، ص 47 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 337 .