أولًا : الخلق ، ويبدو أن معناه صنع الأشياء بعد ابتداعها ، ولذلك يمكن أن يسمى غير الله خالقا ، وقد قال ربنا : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] وقال سبحانه : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ المائدة : 110 ] .
ثانياً : ونحن إذ نصنع شيئا فإنما نغير شيئا موجودا من صورة لأخرى ، في حين أن ربنا سبحانه أنشأ الخلق إنشاءً ، وابتدعه ابتداعا ، لا من شيء كان احتذى به ، ويبدو أن هذا هو معنى الْبَارِئُ حيث قال المفسرون : إن معناه المنشئ المبتدع ، وبهذا صرَّح طائفة من اللغويين أيضا . وقال بعضهم : إن أصل معنى برأ شُوفي من مرض ، ثم توسع ليشمل من يصنع شيئا بلا نقص أو عيب ، وعلى هذا فإن الْبَارِئُ هنا الذي أتقن خلقه فلم يدع فيه ثغرة أو فطورا .
ثالثاً : وقد خلق الله الأشياء بعد أن أبدعها ، وبعد أن قدَّرها تقديرا حسنا ، ولعل هذا هو معنى الْمُصَوِّرُ فقد قدَّر في علم الغيب العالم بما شاء ثم أبدع مادة العالم لا من شيء ، ثم خلقه وصنعه بأحسن الصنع سبحانه . وقيل : إن التصوير هو التشكيل والتخطيط ، وهو يتم بعد الإنشاء والصنع ، فيكون المعنى أنه سبحانه أحسن صنع الأشياء ، وأحسن صورها .
رابعاً : ليست أسماء الله محدودة بهذه الكلمات على عظمتها ، بل لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى جميعا . أفليست الخلائق آياته ؟ أوليست آياته تجليات أسمائه ، فهو نور السماوات والأرض ، وله المثل الأعلى ؟ ! وإذا نظرت إلى آية من آيات قدرته وعظمته وبهائه وجلاله فاتخذها وسيلة إلى معرفة ربك ، وادعه بها لأن الذي تدعوه . . هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ، وجاء في الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
« لله عَزَّ وجَلَّ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ اسْماً مَنْ دَعَا اللهَ بِهَا اسْتُجِيبَ لَهُ ، ومَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ »
« 1 » .
إن معرفة الله بأسمائه الحسنى تُحصِّن الإنسان من الإلحاد فيها ، والتنكُّب عن صراطه القويم ، ذلك أن جهالة الإنسان ، ووساوس الشيطان تدفعه نحو تقديس غير الله ، أو اتباع الشركاء من دونه ، مما يهلكه ويجعله من الخاسرين ، وإنما النجاة عن ضلالة الشرك الظاهر والخفي بتسبيح الله وتقديسه ، وذكر أسمائه الحسنى ، فإذا عَظُم الخالق في قلب الإنسان تلاشى عنه غيره . أوليس النور نجاة من الظلام كذلك التوحيد نجاة من الشرك .
وحين نقدس - نحن البشر - ربنا العزيز فإننا ننسجم مع سنة العالم ، فكل ما في السماوات والأرض يسبح له ، وهكذا تخدم سنن العالم من يسبح الله ويوحده ، والذي يشرك به يبقى وحده فيتخطفه الشيطان ويلقيه في سواء الجحيم .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 7 ، ص 140 .