تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
لمجرد كونه من الأولين ، الذين أدركوا الرسول والخلفاء ، أو عاشوا في صدر الإسلام . 3 - أما الفريق الثالث فهم الذين يقيِّمون السابقين بواقعية ، ويعرضون أفكارهم ومواقفهم على موازين الشرع ( القرآن والسنة والسيرة المعصومة ) فما وافقها احترموه وتأسوا به ، وما خالفها ضربوا به عرض الحائط ، وهم الذين تشير إليهم هذه الآية الكريمة . كيف ؟ إنهم - حسب الآية - يعترفون بأخطاء السابقين ، ويتبعون القيم بإخلاص وشجاعة ، سواءً وافقت حياة أولئك أم خالفتها ، ولكن النقد والانتقاد لا يسقطهم في أعينهم ، بل يظلون أصحاب الفضل عليهم ، الذين يكنُّون لهم الود والاحترام . وفي الوقت الذي يعترفون بأخطاء السلف ، ولا يتابعونهم فيها ، يسعون بكل ما أوتوا ( بالدعاء والعمل ) لإصلاح أخطائهم في الواقع الخارجي ، ويستغفرون لهم عند الله ، وإنه سبحانه ليستجيب دعاء الأخ لأخيه ، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : « أَسْرَعُ الدُّعَاءِ نُجْحاً لِلْإِجَابَةِ دُعَاءُ الأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ ، يَبْدَأُ بِالدُّعَاءِ لِأَخِيهِ فَيَقُولُ لَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ : آمِينَ ولَكَ مِثْلَاهُ » « 1 » . والآية الكريمة من خير دعاء المؤمنين لإخوانهم سواءً السابقين أو المعاصرين والأنداد . وإن المؤمن الصادق هو الذي تتجلى له الأخوة بلحاظ الإيمان أعمق من تجليها بلحاظ النسب ، فأخوه كل مؤمن وأخته كل مؤمنة ، مهما اختلف اللون واللسان والحسب ، ومهما اختلفت المسافة الزمنية والمكانية بينهما أو اختلفت الطبقات . وهو لا ينظر إلى نفسه فرداً ، إنما بوصفه جزءاً من أمة بكاملها ، بتاريخها وحاضرها ومستقبلها فيدعو لنفسه ولها على السواء ، ويسعى لتحقيق أهدافه ، كما يساهم في تحقيق أهداف إخوانه ، ويسعى نحو تطهير نفسه من رواسب الحقد والحسد والشحناء تجاه إخوته في الدين . وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا من حقد أو حسد أو أي أمر يدفع الإنسان إلى معاداة إخوانه ، وهذا من أهم الطموحات التي يسعى المؤمنون نحوها متوكلين على الله ، لأن الخروج من شح النفس الفردية ، والتخلص من الأغلال تجاه الآخرين من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى توفيق إلهي ، وإرادة قوية ، ولذا فهو عنوان بلوغ الإنسان درجة رفيعة من الإيمان ، والمؤمنون يدركون ذلك ويعلمون أن بلوغهم درجة التخلص من الأغلال تجاه إخوانهم دليل رأفة الله ورحمته بهم ، ولذلك يثنون عليه في دعائهم فيقولون : رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وهذان الاسمان لله يتجليان في سلوك المؤمنين عبر تعاملهم مع بعضهم ، وهم يسألون ربهم
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج ، ص 387 .