تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
أَنْتَ أَعْطَيْتَهُ مِنَ النِّصْفِ الآخَر » « 1 » . وقد حفل تاريخ صدر الإسلام بمصاديق رائعة للإيثار ، أحدها إيثار الأنصار للمجاهدين على أنفسهم ، والأخر أولئك النفر من مجاريح المؤمنين في اليرموك ، الذين حُمِلَ إليهم الماء فكان واحدهم يؤثر إخوانه على نفسه رغم الظمأ الذي يحس به المحتضر حتى استشهدوا عن آخرهم عُطاشى « 2 » ، وقد روى أبو حمزة قال : [ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله فَشَكَا إِلَيْهِ الجُوعَ فَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله إِلَى أَزْوَاجِهِ فَقُلْنَ : مَا عِنْدَنَا إِلَّا المَاءُ ، فَقَالَ صلى الله عليه وآله : مَنْ لِهَذَا الرَّجُلِ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَا يَا رَسُولَ الله ، فَأَتَى فَاطِمَةَ عليها السلام وسَأَلَهَا : مَا عِنْدَكِ يَا بِنْتَ رَسُولِ الله ؟ فَقَالَتْ عليها السلام : مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ ، لَكِنَّا نُؤْثِرُ ضَيْفَنَا بِهِ ، فَقَالَ عليه السلام : يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ نَوِّمِي الصِّبْيَةَ وأَطْفِئِي المِصْبَاحَ » « 3 » . هكذا ينبغي للمؤمنين وبالذات المجاهدين منهم أن يتساموا إلى هذا الخلق الرفيع في تعاملهم مع بعضهم ، ولن يبلغوا ذلك حتى يتجاوزوا أصعب عقبة تربوية وعملية وحضارية ، تغل الأفراد والتجمعات والأمم عن النهوض والارتفاع في آفاق التقدم والفضيلة وهي النفس ، التي يعدها الإسلام ( قرآنا وسنة ) أعدى أعداء الإنسان ، الذي إذا انتصر عليها صار إلى السعادة والفلاح وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ فبالقدر الذي يسعى الإنسان إلى المزيد من العلم ، ينبغي أن يسعى بأضعافه إلى تزكية نفسه وكمال أخلاقه ، وإنما اعتبر القرآن الوقاية من شح النفس هي الفلاح لأنه رأس كل خطيئة وانحراف في حياة البشر ، فهو أساس الكفر والشرك والظلم والحسد و . . ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « البُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ العُيُوبِ وهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ » « 4 » . وهل أنزل الله رسالاته وبعث رسله إلا ليخرج الإنسان من سجن شح النفس ؟ ، وإن الشحيح لا يرى إلا ذاته ، كما لا يرى المسجون إلا جدران زنزانته . ولكن ما هو السبيل إلى التحرر من هذه التهلكة ؟ ، أنه التوكل على الله والاستعاذة من شر النفس الأمَّارة بالسوء ، والانفتاح على هدى القرآن وبصائر السنة ، وتقبل نصائح الواعظين ، والتعبير القرآني بليغ للغاية إذ يقول : يُوقَ مبني للمجهول ، أي أن الله هو الذي يحرر الإنسان ، وينقذه من ذلك . ومشكلة الإنسان أنه يحسب السعادة تتمثل في اتباع الأهواء ، وإشباع شح النفس ، ولكنه لا يعلم أن ذلك يجعله عبدا ضعيفا لها . أليس محب الرئاسة يتبع هوى المنصب أنى اتجه ،
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 171 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير : ج 4 ، ص 362 . ( 3 ) وسائل الشيعة : ج 9 ، ص 462 . ( 4 ) مستدرك الوسائل : ج 7 ، ص 79 .