الشجاعة الكافية للظهور على حقيقتهم ، وكان الأولى لهم أن يخافوا الله الشاهد عليهم لو كانوا يعلمون ويؤمنون بالغيب . لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي لا يعرفون الحقائق بعمق ، وإلى حد اليقين ، وإلا لكانوا يتركون النفاق والتعاون مع أعداء الحق خشية سطوة الله وعذابه في الدنيا والآخرة . وهذه الصفة متأسِّسة على النظرة المادية للحياة ، فهم لا يعيشون حقائق الغيب ، ولذلك لا يخشون ما يتصل بها كالخالق عز وجل ، وقال سبحانه : صُدُورِهِمْ لبيان خلوها من الإيمان بالله .
[ 14 ] ومن مظاهر خوفهم وهزيمتهم الداخلية أنهم لا يملكون شجاعة المواجهة المباشرة مع المؤمنين ، إنما يتوسلون بألوان الدفاعات الممكنة خشية الموت .
ومن أسباب ضعفهم بالإضافة إلى روح الهزيمة هذه التفتت في الجبهة الداخلية اجتماعيًّا لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً صفا واحدا متكاتفا ( المنافقين والكافرين ، أو أفراد الجبهة المعادية بصورة عامة ) لأنهم لا يجتمعون - بسبب الخوف ، أو بسبب اختلاف المصالح والأهواء - على رأي وموقف واحد أبدا ، أنى كانت الوحدة هي الصورة الظاهرة فيهم .
إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ يأمنون بحصونها على أنفسهم من الهزيمة ، أو لا أقل من الموت ولو بصورة نسبية أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ والجدر جمع جدار وهو الحائط ، وإنما يحاربون من ورائه لخشيتهم من الموت ، وجبنهم من المواجهة ، وهو يشبه جدار النفاق الذي يسترهم عن الفضيحة والجزاء ، ولعل ذلك يفسر خلفيات قرار الرسول صلى الله عليه وآله بهدم بعض بيوت بني النضير ، وقطع نخيلهم بأنهم كانوا ينتفعون بها في الحرب للتستر والتسلل والتحصن ، وهب أنها توفرت الحصون والجدر وتجمعوا ظاهريًّا في صف واحد ، ومن أجل غاية واحدة ، فإن ذلك لا يعني أنهم متوحدون ، فإنك لو فتَّشت قلوبهم وقلَّبت آراءهم لوجدتها متفرقة ومتناقضة ، بل لوجدتهم متناحرين في كثير من الأحيان ، والسبب أنهم لا يدورون على محور واحد ، ولا يسعون نحو هدف واحد كما يدور المؤمنون مع الحق أينما دار ، ويستهدفون إقامة الحق في الأرض . وأساسا الفرق بين الحق والمصالح : هو أن الحق واحد ، والأهواء والمصالح تتناقض وتعود إلى صراعات داخلية جذرية ودائمة .
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي أنهم يعادون بعضهم عداوة شديدة ، حتى أنهم يقتلون بعضهم بشدة ، وهذه صفة معروفة عن اليهود ، وقيل معناه : أنهم حينما يتحدثون بينهم يتظاهرون بالشدة ، ويكيلون الوعيد على أعدائهم ، في حين أن قلوبهم خاوية من الشجاعة ، والمعنى الأول أقرب إلى السياق ، لقوله سبحانه : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً متحدين ، كما يتظاهرون بذلك أو يظهره إعلامهم وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متباينة ، وإن الاختلاف الجذري والحقيقي هو
من هدى القرآن — صفحة 390
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩٠